نشأ في قلب العاصفة.. ويتكىء على رياح المتغيرات!

| جورج علم |

كان دائماً في قلب العاصفة، متكئاً على كتف الرياح العاتية، لكن الزمهرير هذه المرّة مختلف، يحمل إلينا الأسئلة الكبرى، ماذا بعد؟ ماذا عن اليوم التالي؟ ولا أحد يملك تصوّراً، أو جواباً. أبلغنا عصبة الأمم بأن لبنان ـ الدولة في فراغ، يفتقر إلى رجال دولة. أبلغنا كلّ من يعنيه الأمر، بأن الجنوب ساحة مفتوحة، ولم يبقَ من حلّ سوى المتسربل ضمن جعبة التسوية الكبرى. وأبلغنا الأشقاء والأصدقاء، بأن لبنان لم يعد سيّد نفسه، بل أسير اللاعبين على أرضه، والمتلاعبين بمصيره.

نعتب عندما يأتي زائر إلى المنطقة دون أن يمرّ ببيروت. ونعتب أكثر عندما يمرّ وهو خالي الوفاض، أو حاملاً الينا سلّة طافحة بالأسئلة المعلّبة تحت عنوان “حبّ الاستطلاع لواقع الحال”!

يتابع المقاوم سيره على طريق القدس، من دون معرفة المسافة التي اجتازها، والمحطات التي قطعها، والأهداف التي حققها؟ يمضي، فيما الأكثرية صامتة، تراقب، وتتابع، وتبلع ريقها، خوفاً من انزلاق كلمة من خارج سياق الخطاب الشعبوي، وتوازن خطواتها جيداً، تحاشياً “لدعسة ناقصة”، ويبقى الصمت زينة الرجال، لكن إلى حين… وقد حان وقت هذا الحين. يأتي الموفدون هذه المرّة، “مرسملين” برسائل أميركيّة، أوروبيّة تنصح باعتماد الروية، والفطنة، والحكمة، لتمرير العاصفة بأقل الأضرار الممكنة، لكن الأجوبة تأتي مجوّفة، دون المستوى، طافحة بالثرثرة، وفيها الكثير من الكلام، الخالي من أيّ التزام، لأن لا شيء نملكه لنعطيه، ومن عنده، وقادر على العطاء، لا يملك القرار، كونه مصادر من قبل جهات تريد أن تحجز لنفسها مقعداً حول طاولة المفاوضات عندما يحين أوانها، للتوصل إلى حلول وتسويات تشمل مختلف الملفات الصعبة والمفتوحة على مصراعيها في المنطقة.

هناك رسالة عاجلة، فضحها الإعلام قبل أيام، عنوانها “اليوم التالي” في الجنوب، وتتحدث عن مواصفاته، وكيف يجب أن يكون، لتفادي الإعصار المدمّر، والإبقاء على ما تبقى من سيادة، ووحدة أرض وشعب. وجاء في طيّها أن “يوم الجنوب التالي” يجب ألاّ يكون مرتبطاً “باليوم التالي” في غزّة، ولا مصلحة وطنية في ذلك، خصوصاً أن العدو هو المروّج لنظرية “اليوم التالي”، وعلى قاعدة “ما كان مقبولاً قبل طوفان الأقصى، وطوفان غزّة، لم يعد مقبولاً بعدهما. التغيير آت لا محال، والثوب الذي يُحاك، إنما تحيكه الدول النافذة على نول المصالح”!

وتبقى حركة الموفدين ملتبسة، ولغة بعضهم مقتبسة، وعندما يتحدّثون عن مواصفات “اليوم التالي” في الجنوب، إنما يقتبسون عن اتفاقيّة الهدنة، والقرار 1701.

والحقيقة الجارحة أنه لم يكن هناك من “يوم أول”، للحديث عن “اليوم التالي”. ولو نفّذت إتفاقية الهدنة حين أبرمت في آذار 1949، لما وصلنا إلى “اتفاق القاهرة” في سبعينيات القرن الماضي، ومصطلحات “العرقوب”، و”فتح لاند” في الجنوب، ودولة “الثورة الفلسطينية” في الفاكهاني قلب العاصمة بيروت. ولو نفّذ اتفاق الطائف بحذافيره، لما وصلنا إلى اتفاق الدوحة. ولو نفّذ اتفاق الدوحة لما وصلنا إلى “اتفاق مار مخايل” الذي أفضى إلى انتخاب رئيس للجمهوريّة، مقابل خطف الجمهوريّة.

وتزداد التراكمات ارتفاعاً في جبل الفراغ، خصوصاً عندما يأتي من يحدّثك عن الإنجاز الوطني الكبير الذي تحقق في الجنوب عند ترسيم الحدود البحريّة. في الواقع كان هناك خطّان 23 و29، ونظريتان، ومقاربتان، وجمهوريتان، الأولى تصفّق للإنجاز الذي تحقق، فيما الثانية تنتقده، وتقلّل من فوائده، وتشكك في هويته السياديّة، ومردوده الوطني. ويومها كانوا ثلاثة، الأميركي “العرّاب” آموس هوكشتاين، و”الإسرائيلي”، والدولة اللبنانية المتسربلة بعباءة “حزب الله”، أو “حزب الله” الذي كان حاضراً، ويقول بأنه يقف وراء الدولة اللبنانيّة.

ويأتي “العرّاب” هوكشتاين ليحدّثنا عن مسعى يفضي إلى ترسيم الحدود البريّة، إنطلاقاً من مزارع شبعا، وبلدة الغجر، والنقاط الـ13 المعلّقة على حبل الخلاف الحدودي، وعن مواصفات “اليوم التالي” في الجنوب، وقد اختلفت المعايير، والمواصفات، وحتى المقاربات التي كانت سائدة قبل “طوفان الأقصى”.

ينبري “الإسرائيلي” اليوم، مهدّداً متوعداً، إما أن يكون له ما يريد، أو يحوّل لبنان إلى “غزّة ثانية”. و”حزب الله” صامد، لا وقت عنده ينفقه للبحث في مواصفات “اليوم التالي” في الجنوب، إلاّ بعد التيقن من مواصفات “اليوم التالي” في غزّة. ولا دولة يتلطّى خلفها هذه المرّة، سوى دولة الفراغ، والمؤسسات المشرّعة الأبواب والنوافذ أمام عابري السبيل الذين يغدقون النصائح، ويبلّغون الإملاءات. أما الأميركي فيصول ويجول، لكنه في كلّ مرّة يأتي، يأخذ نفسا طويلاً، قبل أن يقدم على خطوة، أو يتسرّع في إبداء رأي لم يحظَ بدمغة إسرائيليّة مسبقاً.

آخر نصائحه “العطوفة” المصاغة برياء دبلوماسي فاقع، والتي أوضعها أمانة في أعناق من التقاهم في بيروت، تقضي بضرورة الإسراع في انتخاب رئيس، لسدّ الفراغ، وإطلاق عجلة الجمهوريّة، لكنه نسي، أو تجاهل أن يقول: “رئيس لأي جمهوريّة؟ لأي لبنان؟ لأي وطن يتأرجح على خطّين متوازيين لا يلتقيان. دويلة، أو دولة. هانوي، أو هونغ كونغ. ثقافة استشهاد، أو ثقافة حياة. وطن ملحق، أو وطن محلّق؟.. أو… “لنا لبناننا، ولكم لبنانكم”!