إيمانويل ماكرون.

هل تغيّر موقف باريس من “حزب الله”؟

جريدة الأخبار

| وليد شرارة |

حزب الله، في نظر إيمانويل ماكرون، جزء لا يتجزّأ مما أسماه «أممية الإرهاب». صدر هذا الموقف عن الرئيس الفرنسي في مقابلة أجرتها معه قناة «فرانس 5» ، الأربعاء الماضي، تناول فيها موضوعات متعدّدة، أبرزها المعركة المحتدمة في غزة والإقليم. العرض الذي قدّمه لطبيعة هذه المعركة ولهوية أفرقائها يستحقّ التوقف المعمّق، لأنه يؤكد الانقلاب الكامل في مقاربة باريس لقضايا المنطقة ولكيفية التعامل معها، والتي سبق أن ظهرت مؤشرات كثيرة عليها في السنوات الماضية، واتّضحت بجلاء مع ملحمة «طوفان الأقصى».

ووفقاً لماكرون، فإن «قتال الإرهابيين لا يعني إسرائيل وحدها. لقد تعرّضت لانتقادات شديدة هنا عندما دعوت لتشكيل ائتلاف دولي لمحاربة حماس. إذا لم تكن حماس تنظيماً إرهابياً، اشرحوا لي ماهيّتها. هي تنظيم إرهابي. هل نريد مكافحتها؟ لماذا فعلت ذلك؟ لأنني لا أريد أن أسلّم بمنطق كان لفترة طويلة معتمداً من قبل الإسرائيليين، ومفاده أن هذا الأمر يعنيهم وحدهم. أنا أرى أن هناك رداً أمنياً على الإرهاب لا يتضمّن التدمير الكبير للبنى التحتية المدنية واستهداف المدنيين. نستطيع تبنّي مثل هذا التمييز إن اعتبرنا أن مشكلة إسرائيل الأمنية هي مشكلتنا أيضاً. أنا أتحمّل مسؤولية القول بأننا مستعدون للمشاركة في المجابهة مع حماس، ليس من خلال إرسال الجنود الفرنسيين للقتال في الأنفاق، بل عبر التعاون في مكافحة تمويل حماس. لقد ساهمت فرنسا مع آخرين في مبادرة «لا أموال للإرهاب» لوقف مثل هذا التمويل، والتعاون مع بلدان عدة بما فيها بلدان من الشرق الأوسط لهذه الغاية. يجب أن نعي أن حماس تعمل بتواطؤ مع مجموعات إرهابية أخرى. هذا ما يفسّر نشر فرنسا فرقاطات وسفناً حربية لضمان حماية حرية الملاحة في البحر الأحمر ومضيق هرمز. لقد أسقطنا مُسيّرات وصواريخ كانت تستهدف سفينة نرويجية منذ بضعة أيام. نحن نتحرك ضد مجموعات إرهابية تساند حماس، لأننا أمام نمط من أنماط الأممية الإرهابية التي تشكّلت في هذه المنطقة. الركيزة الأولى لمقاربتنا أمنية. نقول (للإسرائيليين) إننا مستعدون لمساعدتكم على مكافحة هذا التنظيم الإرهابي ولمنع مجموعات إرهابية أخرى من دعمه.

فرنسا ملتزمة منذ عدة سنوات بالحؤول دون قيام حزب الله، وهو مجموعة إرهابية أخرى موجودة في لبنان، بالانضمام إلى حماس وتهديد إسرائيل وتوازنات المنطقة بمجملها».الاستشهاد الطويل بكلام ماكرون الفذّ يسمح باستخلاص استنتاجات بارزة حول سياسة بلاده الفعلية حيال الصراع بين محور المقاومة، وفي القلب منه مقاومة الشعب الفلسطيني الباسلة، والكيان الصهيوني.

الاستنتاج الأول يتعلق بتعريف هذا الصراع. هو يدور بين «إسرائيل» وائتلاف من «التنظيمات الإرهابية».

اللافت هو خلوّ كلام الرئيس الفرنسي من أيّ إشارة إلى أسباب «موضوعية» لاندلاع هذا الصراع، كالاحتلال والاستيطان والضمّ وسياسة العدوان المستمر على بلدان المنطقة، كانت الدبلوماسية الفرنسية تتطرّق إليها عادة في ما مضى. نحن أمام قطيعة كاملة مع المواقف التقليدية لهذه الدبلوماسية، وتماهٍ تام مع المقاربة الإسرائيلية. أعداء الكيان هم «إرهابيون»، أي مجموعات تلجأ للعنف بدواعي التطرف الديني و/أو القومي، وكراهية «الآخر» والظلامية وغيرها من مفردات مضبطة الاتهام الصهيونية لجميع قوى المقاومة، بكل تلاوينها، في فلسطين ولبنان والمنطقة.

محاولات ماكرون للنأي بنفسه عن جرائم الإبادة الصهيونية بحق المدنيين في غزة، أو للتمايز النسبي عن الموقف الإسرائيلي عبر الحديث عن ضرورة «إحياء حلّ الدولتين»، لا تغيّر في هذا الواقع شيئاً. هي مساعٍ بائسة للتمايز عن صيرورة غزة مسلخاً بشرياً بفعل حرب الإبادة، وما تثيره من موجة اعتراض عارمة على مستوى شعوب العالم، لا تقنع أي عاقل. الأهم في موقفه هو اعتبار مقاومة مشروع التطهير العرقي الصهيوني إرهاباً وتجريم من يقوم بها، لإفساح المجال أمام استكمال مثل هذا التطهير.

الاستنتاج الثاني بالنسبة إلى ماكرون هو واجب تدويل حقيقي للمواجهة في مقابل «أممية الإرهاب».

يعتقد الرئيس الفرنسي أنه عبر تقديم مثل هذه الاقتراحات حول بناء تحالفات دولية ضد قوى المقاومة، وعقد المؤتمرات لترجمتها عملياً، كاجتماع باريس الذي عُقد في 13 من هذا الشهر في الخارجية الفرنسية، سيستطيع التعويض عن التهميش المتعاظم لبلاده على المسرح الدولي، وعودتها لاحتلال موقع إلى جانب «القوى النافذة» فيه. غير أن هذه الاقتراحات تشي أيضاً بأن سياسته الخارجية باتت، إلى درجة كبيرة، امتداداً لتلك الداخلية.

ليس سراً أنه جعل من التصدي لما أطلق عليه مصطلح «الانفصالية الإسلامية» في فرنسا، أي التوجه لتصوير أبناء المهاجرين الذين يعانون أصنافاً من التمييز والاضطهاد العنصرييْن فيها، بمثابة الطابور الخامس، ركناً أساسياً في سياسته الداخلية. يندرج ذلك في سياق جهوده لاكتساب شرعية تعويضية عن سلسلة إخفاقاته خلال عهديْه الرئاسيين، ولاجتذاب جمهور اليمين المتطرف الصاعد بقوة. ويأتي قانون الهجرة الفرنسي الجديد، الذي أقرّه البرلمان الثلاثاء الماضي، دليلاً إضافياً على هذا الأمر. وقد أشار أدوي بلينيل، مؤسّس موقع «ميديابار»، في افتتاحيته الأخيرة إلى أنّ من سخرية الواقع أن الرئيس الذي انتُخب مرتين لمنع اليمين المتطرف من الوصول إلى السلطة يشرع في تطبيق قسم مركزي من برنامجه. ومن الممكن الإضافة أن ماكرون جعل من الإسلاموفوبيا مرجعاً لسياساته الداخلية والخارجية على حدّ سواء.

الاستنتاج الثالث على صلة بحقيقة التوجّهات الفرنسية تجاه حزب الله. كثيراً ما تشدّق المسؤولون الفرنسيون بمزاعم من نوع «ضرورة التمييز» بين «الجناح العسكري» للحزب، المُدرج ضمن اللائحة الأوروبية للمنظمات الإرهابية، وجناحه السياسي الذي «يمثّل شريحة واسعة من اللبنانيين، وقوة سياسية وازنة لا بدّ من التعامل معها». يظهر كلام ماكرون عن الحزب، بمجمله، باعتباره «مجموعة إرهابية»، هشاشة مثل هذا التمييز، واستعداداً لإعادة النظر فيه عندما تقتضي الظروف السياسية ذلك. وعندما يتم تبني المنظور الإسرائيلي للصراع في المنطقة، وتصبح الإسلاموفوبيا دليل عمل في السياستين الداخلية والخارجية، يضحي مثل هذا التمييز «فاقداً للصلاحية». الأصوات المعترضة على توجّهات ماكرون عليها أن تشرح لرأيها العام ما سيترتّب عليها بالنسبة إلى ما بقي من مصالح لهذا البلد في المنطقة ومن طموح لدور محكوم عليه بالفشل الذريع.