“ثلاثيّة جديدة”.. على الطريق!

| جورج علم |

ترتسم في الأفق اللبناني ملامح ” ثلاثيّة جديدة”، بديلة عن “ثلاثيّة الجيش، والشعب، والمقاومة”.

عناوينها واضحة: “ترسيم الحدود البريّة. تنفيذ كامل مندرجات القرار 1701. الإلتزام ببنود إتفاقيّة الهدنة الموّقعة بين لبنان وإسرائيل بإشراف الأمم المتحدة في أربعينات القرن الماضي”.

بدأت البواكير من مجلس الأمن الدولي، عندما حاول الأميركي، في نهاية آب من العام الماضي، توسيع الصلاحيات المناطة بقوات “اليونيفيل” العاملة في الجنوب. لم تنجح المحاولة يومها لإعتبارات عديدة، أبرزها المواجهة الروسيّة ـ الأميركيّة حول أوكرانيا، وإنعكاساتها على سائر الملفات المدرجة على قائمة إهتمامات المنظمة الدوليّة.

ونما “المسار”، وأخذ جرعة من المقويات بعد 27 تشرين الأول 2022، تاريخ التوصل إلى اتفاق إطار حول ترسيم الحدود البحريّة بين لبنان وإسرائيل، بإشراف الولايات المتحدة. يومها إستند الوسيط الأميركي إلى تحوّل في المشهد اللبناني شجّعه على المضي قدماً نحو ترسيم الحدود البريّة، وإمكانية معالجة نقاط الخلاف العالقة بين لبنان وفلسطين المحتلّة. وهذا التحوّل يوجزه الأميركي بنقطتين:

الأولى، أن الأمين العام لـ”حزب الله” السيّد حسن نصر الله، أعطى ضمانات أمنيّة بعدم إستهداف حقل “كاريش”.

الثانيّة، أن كبار المسؤولين في الحزب، قد دققوا بالإتفاق كاملاً قبل الموافقة عليه، “ما يؤشر ـ وفق القراءة الأميركيّة ـ إلى التخلّي عن الموقف الرافض للتنازلات التي تمسّك به “حزب الله” طوال سنوات في موضوع المفاوضات الحدوديّة مع إسرائيل”.

وفي نهاية آب الماضي، وصل إلى بيروت فجأة كبير مستشاري الرئيس الأميركي لشؤون الطاقة آموس هوكشتاين، وقابل مسؤولين، وفعاليات، وقال خلال مؤتمر صحافي عقده في ختام زيارته: “حان الوقت لمراجعة الإطار (…) الذي سمح بالتوصل إلى نتيجة على صعيد الحدود البحريّة، والعمل كذلك على سلام برّي”.

أضاف: “في الأيام الأخيرة أتيت إلى هنا لأطلع على موقف الحكومة اللبنانيّة. زرت الجنوب لأرى بنفسي الخط الأزرق، ومحيطه، كي أفهم ما هو ضروري للتوصل إلى نتيجة محتملة”.

وفجأة، فاض “طوفان الأقصى” في السابع من تشرين الأول الماضي، وتبدّلت الأولويات في المنطقة، وتسارعت وتيرة الأحداث والمفاجآت، ودخل الجنوب على خطّ النار، وراح رئيس حكومة تصريف الأعمال الرئيس نجيب ميقاتي ينشط شرقاً وغرباً مطالباً الدول المؤثّرة الضغط على “إسرائيل” لوقف إعتداءاتها.
ونفض حراكه الغبار عن مستجدّين:

• إصطفاف أوروبي ـ غربي وراء الولايات المتحدة بعدم فتح الجبهات ضد “إسرائيل”.
• تنسيق أميركي ـ فرنسي ـ غربي لإعادة الجنوب تحت مظلّة القرار الأممي 1701.

وبناء على ما تقدّم، وصل إلى بيروت في الثالث من تشرين الثاني الماضي وزير الجيوش الفرنسي سيباستيان لوكورنو. زار الجنوب، تفقّد كتيبة بلاده العاملة في إطار “اليونيفيل”، وقابل كبار المسؤولين، وشدد على الآتي: “ضرورة تطبيق القرار 1701 بكامل مندرجاته، والتشديد على التعاون والتنسيق الوثيق بين الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل، وتفعيل مهام القوات الدوليّة، وضرورة إرساء الهدوء على طول الخط الأزرق الفاصل بين لبنان وإسرائيل”.

ولحق به في السابع من تشرين الثاني الماضي الأميركي آموس هوكشتاين، وعرّف عن مهمته قائلا: “أنا هنا في مهمّة جديدة للعمل على عدم تمدّد الصراع إلى لبنان، وتطبيق القرار 1701”.

وقال بعد مقابلته الرئيس نبيه برّي: “إن المحافظة على الهدوء على الحدود الجنوبيّة اللبنانية، على درجة عالية من الأهميّة بالنسبة للولايات المتحدة الأميركيّة، وكذلك يجب أن يكون بالنسبة للبنان وإسرائيل كما ينصّ عليه القرار الأممي 1701، ولهذا صمّم”.

بعده، زار بيروت وزير الخارجيّة الفرنسي السابق جان إيف لودريان.

مرجع رسمي مطلع قال إن زيارته هذه المرّة، مدفوعة من قبل ثلاثة:

• “إسرائيل” التي أبلغت باريس وواشنطن، بأن عودة المستوطنين إلى منازلهم على طول الشريط الحدودي، ضمانتها هدوء جبهة الجنوب، وسيطرة قوات “اليونيفل” والجيش اللبناني على الأرض وفقاً للقرار 1701.
وأكدت رفضها أن تستمر المستوطنات الشمالية مجرّد حقل إختبار لـ”السلاح المتفلّت”، وتهديد سكّانها دوما بقلق التهجير.
• الولايات المتحدة التي تريد لفرنسا دوراً حيويّاً منسقاً معها لإستكمال ترسيم الحدود البريّة، وتنفيذ سائر مندرجات القرار 1701، وتمكين الجيش اللبناني من السيطرة بالتنسيق والتعاون مع قوات الطوارئ الدوليّة “اليونفيل”.
• وفرنسا الحريصة على حماية مصالحها الحيويّة في لبنان، والحريصة على أمن الجنوب وإستقراره لتوفير الحماية لضباطها وجنودها العاملين في صفوف القبعات الزرق.

ويضيف: هناك ثلاثيّة جديدة تسعى إليها الولايات المتحدة، بالتعاون مع الحلفاء، تقوم على ترسيم الحدود البريّة، وتنفيذ القرار 1701 بكامل مندرجاته، ونفض الغبار عن إتفاقية الهدنة…

لكن ماذا عن “ثلاثيّة” “حزب الله”؟ هل يفرّط بها؟ وأين موقع إيران من كل ما يجري؟

الجواب رهن المستجدات… لكن “طوفان الأقصى” لن تنتهي مفاعيله وتردداته إلّا “بطوفان دبلوماسي معاكس”، يعيد الحقوق إلى أصحابها، ويضع الأمور في نصابها…