قيادة الجيش برأس، أم برأسيْن، أم بلا رأس؟

جريدة الأخبار

| نقولا ناصيف |

على غرار الاستحقاق الرئاسي في الأشهر المنصرمة، يصعد اسم مرشح ويهبط بين مَن معه ومَن ضدّه، يستعاد في الأيام الأخيرة الصعود والهبوط في ما سيؤول إليه مصير منصب قائد الجيش قبل الوصول إلى موعد تقاعد العماد جوزف عون في 10 كانون الثاني المقبل

الأكثر مدعاةً وتبريراً للصعود والهبوط في مقاربة الانقسام على قائد الجيش، اصطفاف الأفرقاء بعضهم قبالة بعض آخر في محاولة فرض خيار بقاء العماد جوزف عون في منصبه أو التخلص منه.ليس ثمّة مخفيّ أو باطني في المواقف بين مؤيدي التمديد له ومعارضِي بقائه في اليرزة. ما يدور من حول الرجل أنه المشكلة عند فريق، وحلّ عند آخر، في اشتباك سياسي لا يمتّ بصلة بالضرورة لقيادة الجيش بالذات، مقدار دورانه من حول انتخاب رئيس جديد للجمهورية. المحسوب أن عون هو المرشح الجدي الوحيد في مواجهة ترشيح رئيس تيار المردة النائب السابق سليمان فرنجية.

قبل أيام قيل إن تمديد بقاء القائد في منصبه حُسم وأوشك إبصاره النور. سرعان ما انحسر وأبطأ وتيرته، قبل أن يخلفه خيار آخر قيل بدوره إنه محسوم وموشك على الظهور هو تعيين قائد جديد للجيش. خرج الخياران من ثمّ من واجهة التسابق ليمرّا في وقت ضائع مذ توقفت حكومة تصريف الأعمال عن الاجتماع قبل أقل من أسبوعين (الثلاثاء 14 تشرين الثاني). كلاهما الآن يتساويان ـ أو يكادان ـ في علامتَيْ صفر ومئة في آن. في لحظة يعلو الصفر الى مئة، وفي لحظة مماثلة تسقط المئة الى صفر.
ما يُعزى إليه الجمود في مسار استحقاق اليرزة بضعة معطيات:

أولها، وهو أحد الاحتمالات المرّة الجاري الكلام عليها لدى مراجع مؤثرة، مفادها أن تمديد ولاية القائد الحالي سنة، عبر تعديل قانون الدفاع في مجلس النواب، سيحمل رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل، في صولد سياسي يجد هو ما يبرّره، على الطلب من وزير الدفاع موريس سليم استخدام صلاحيته المنصوص عليها في قانون الدفاع بإصدار قرار يكلّف بموجبه اللواء بيار صعب تسيير قيادة الجيش الى حين تعيين قائد أصيل. هي سابقة في قرار كهذا بعدما درج التقليد تبعاً للقانون على تولّي رئيس الأركان صلاحيات القائد في أثناء سفره أو تغيّبه لأسباب صحية أو توزيره أو سواها. مقدار ما يقلّل البعض من وطأة تهديد كهذا، بيد أن ثمّة من يأخذه في طرف مقابل على محمل الجدّ.

قرار كهذا، ناهيك بالذهاب الى التمديد لعون، من شأنهما أن يرتدّا سلباً على المؤسسة العسكرية، إذ تصبح برأسَين. كلاهما لا يعترف بالآخر. سيسارعان الى تبادل الطعن: قرار التسيير لدى مجلس شورى الدولة، وقانون التمديد لدى المجلس الدستوري. الأدهى في ذلك ما سينجم من يوميات الانقسام، كأن لا يتعامل وزير الدفاع سوى مع القائد المسيِّر يرسل إليه المراسلات والبريد والتقارير، ولا يتلقى نظيرها إلا منه رافضاً الاعتراف بوجود قائد سواه، بينما القائد الممدّد له يصبح بلا وزير للدفاع ـ في الأصل الانقطاع بينهما مستمر منذ وقت غير قصير ـ ويتصرّف بإدارة الوزارة والقيادة معاً.

الأكثر خطورة بين القائدَيْن المفترض أنهما في منصب واحد مشوبَيْن بعيوب قانونية، وفي الوقت نفسه كبْشَي اللعبة السياسية، هو أيّهما له أن يأمر الجيش، وأيهما يطاع أو يصير الى التمرد عليه؟ أيّهما المهاب وأيّهما المنتقص الهيبة والاحترام؟

على أن باسيل، الرافض بقاء عون، منفتح على تعيين قائد جديد ويجد عندئذ أن لا عقبة في طريقه، مقدّماً ما يصفه تسهيلات: اقتراح وزير الدفاع ـ صاحب الاختصاص في تسمية قائد جديد للجيش ـ ثلاثة أسماء لمرشحين يصير الى الاتفاق على أحدهم، تنازله عن شرط توقيع الوزراء الـ 24 مرسوم تعيينه. مطلبه الأساسي الاستغناء عن عون.

ثانيها، الموقف المعلن لرئيس مجلس النواب نبيه برّي ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي واحد، هو التمديد للقائد الحالي بحجة علنية هي عدم ملاءمة تعيين خلف له قبل انتخاب رئيس للجمهورية لئلّا يُفرض عليه، وبحجة مضمرة هي موقفاهما السلبي من باسيل. كلا الرئيسين يفضّل الوصول الى التمديد من منبر الآخر. برّي ينتظر مجلس الوزراء حتى مطلع الشهر المقبل، ويرى صلاحية تأجيل التسريح عنده. وميقاتي يفضل إهدار الوقت تفادياً لما لا يسع حكومته في الدستور والقانون أن تفعله، وهو تأجيل تسريح عون بلا اقتراح الوزير المنوطة به الصلاحية وتوقيعه المرسوم، ولا حتماً التمديد الذي يتطلّب في مجلس النواب تعديل قانون الدفاع.

ثالثها، لم يعد خافياً موقف حزب الله على وفرة ما ينسب إليه أنه الى جانب التمديد يوماً، وإلى الجانب الآخر منه في اليوم التالي. ما يقوله مسؤولو الحزب إن أيّاً من خيارَيْ تمديد الولاية أو تعيين قائد خلف لم يُحسم بعد وليس قريباً من الحسم حتى. لا يمانع الحزب في كِلا التمديد والتعيين ما داما ينتهيان الى الخلاصة المرتجاة، وهي تفادي وقوع فراغ في رأس قيادة الجيش. أما ما يطلبه، فحصول «أفضل توافق» على أيٍّ منهما على أنه المخرج المناسب. إذذاك يدعمه حزب الله المتيقّن من استحالة قبول باسيل ببقاء عون في منصبه، وفي الوقت نفسه يأخذ في الحسبان رأياً مسيحياً تمثّله الكنيسة المارونية وكتل وشخصيات مسيحية رجّحت التمديد على التعيين. ما يجزم به الحزب، يوم الوصول الى 10 كانون الثاني 2024، أن ثمّة قائداً على رأس المؤسسة العسكرية: الحالي ممدداً له، أو جديد يخلفه، شرطه التوافق أولاً وأخيراً.

المطّلع على موقف الحزب يسمع انفتاحه على خيار ثالث هو تعيين رئيس جديد للأركان يحلّ محلّ عون على نحو يُرضي فريقَيِ الاشتباك السياسي: بتولّي رئيس جديد للأركان صلاحيات القائد، يخرج كلا الفريقين لا أحد منهما رابحٌ ولا أحد خاسرٌ. يكون باسيل قد تخلّص من القائد الحالي، وفي الوقت نفسه يُستبعد تعيين قائد خلف قبل انتخاب رئيس للجمهورية طبقاً للحجة المعلنة للفريق الآخر، من دون أن تكون بالفعل كذلك فقط في ظلّ النكد الماروني ـ الماروني المتبادل بين التيار الوطني الحر وحزب القوات اللبنانية.
مصدر العرقلة الرئيسية لتعيين رئيس للأركان في مجلس الوزراء هو صاحب الأمر الأول فيه ومرجعيّته الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط.

رابعها، يصل الى أسماع مراجع وجهات مؤثرة كلام منسوب الى الأميركيين أنهم لا يمانعون في تعيين قائد جديد للجيش، ولا يتشبّثون بالضرورة بالقائد الحالي. ما يعنيهم ويلحّون عليه هو استقرار المؤسسة العسكرية وثباتها واستمرارها. موقف كهذا لم يظهر الى العلن أو رسمياً. لذا يُعدّ موقفاً غير نهائي. بيد أنه يذكّر بموقف الأميركيين من الحاكم السابق لمصرف لبنان رياض سلامة وقد أوحوا على الدوام بأنهم يحمونه، فيما الواقع أنهم كانوا يحمون الدور الذي يضطلع به مصرف لبنان وهو على رأسه.