الإثنين, فبراير 16, 2026
spot_img
spot_img
spot_img
الرئيسيةSliderليس بـ"الترند" وحده تنصر غزة!

ليس بـ”الترند” وحده تنصر غزة!

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| محمد عباس |

يُعيد الأديب الألماني ليون فويشتفانغر رواية نسخته الخاصة من قصة “اوديسيوس والخنازير” الواردة في ملحمة الأوديسة، فيذكر أن البحارة المقاتلين الذين سحرتهم سيرسي وحولتهم إلى خنازير قاوموا بشدّة محاولات أوديسيوس لإعادتهم بشراً بهيأتهم الأصلية، حتى أنّ الأخير اضطّر لنصب الفخاخ لهم واصطياد أحدهم وهو البينورز ثم دعكه بالعشبة السحرية معيداً إياه إلى صيرورته الأولى إنساناً.

إلا ان البينورز هاجم محرره بشدة موبخاً إياه “ها أنت عدت أيها الوغد من جديد؟! أيها الدخال في شؤون الغير، عدت لتعرّض أجسادنا لأخطار وتنغّص علينا؟! لقد كُنتُ في غاية السعادة، كنتُ أتمرغ بالوحل وأعبّ الشراب عبّاً…ماذا فعلت أجئت لتعيدني
للحياة المقيتة التي كنت أحياها من قبل؟!!”.

تتكدس الأسئلة وتتراكم التحليلات الباحثة عن علّة الصمت العربي والاسلامي الرسمي، حيال آلة الإجرام الصهيونية والانسياق الغربي خلف سردية العدو الموغل في توحشه والمدعوم بكروت بيضاء عابرة للبحار والمحيطات، كما للأخلاقيات والضمير الانساني. بالطبع، لسنا هنا بمعرض الإجابة عن كل ذلك وفق السياقات السياسية، العسكرية والاقتصادية المعتادة، تعالوا نيمم وجوهنا شطر البعد الاجتماعي لا سيّما مجتمعاتنا الإسلامية والعربية فمشاهدات بسيطة، سريعة وفجة جداً جداً من شأنها الإجابة عن كل هذه التساؤلات من دون أي مواربة وبعيداً عن أشراك التحليل.

يجيب الوهن العربي والإسلامي عن جميع هذه التساؤلات، فناهيك عن الدول وجيوشها، الشعوب لا شك باتت مجرد دمى يحركها الساسة والجنرالات ذوي النجوم الملوثة بدماء أطفال غزة بحبال جُدلت بخيوط الطائفية، الفقر، الجبن، الأنانية، الميوعة، الخلاعة والكثير الكثير من الوقاحة… استفحلت فينا جميع هذه الأوبئة حتى باتت أنهار الدم ووجوه الأطفال المهمشة والأجنّة الميتمة لا تحرّك فينا ساكناً. أصبحت قضايانا جلها فردية فلكل منا إلهه ووطنه الخاص وكأن الحريق لن يطال تباعاً جميع الدور، فها أم الدنيا وشعبها لا يجرؤون على فتح بوابة معبر وذي باكستان بقبائلها وقنبلتها وماليزيا بتكنولوجيتها وإندونيسيا بملايينها صمّاء عمياء…الخ.

‏هي ذي نبوءات زيغمونت باومان عالم الاجتماع الشهير بإصداراته المتعددة حول المجتمعات السائلة، حيث تتهشم العلاقات الانسانية وتنحل كل الروابط العاطفية بفعل “العولمة السلبية” والتوحش الرأسمالي، فيصبح اللايقين والخوف عقيدة، والأنانية مذهباً والكل لاعباً في برنامج تلفزيون الواقع “الناجي الوحيد – survivor ” مستعداً للتضحية بأبنائه ناهيك عن جيرانه وأحبائه بحثا عن النجاة.

العواطف في هذه العوالم السائلة سريعة الزوال، فقد تم تسليعها حتى بات يمكن الاستغناء عنها كأي منتج يتم استهلاكه، وتنزل منزلتها الروابط العائلية والجيرة والقبلية وغيرها، وجميع ما غزله التاريخ فينا كمجتمعات من صلات قربى ودم وذكريات وامبراطوريات وحدتنا وأخرى سفكت دماءنا، تستطيع ثقافتنا السائلة حذفه بضغطة إصبع واحدة “delete” كما دأبنا على وسائل التواصل الاجتماعي، فتمسي الكوفية “ترند” و”الهاشتاغ” وسيلة تضامن قابلة للتلف إن هددت يكينونتها فرديتنا أو أوطاننا الصورية، التي بنينا حولها جدرانا من اللاوعي والأنانية أصلب من أي جدار عزل اسمنتني بنته “تل أبيب” على حدود غزة.

والأهم بالنسبة إلينا في مقامنا هذا، حين يُستبدل الشهيد الذي يموت من أجل قيمة معنوية، بـــ “البطل” الذي يضحي من أجل المكاسب المادية للدولة، فلا “مكان للشهداء والأبطال في المجتمع الاستهلاكي الحديث السائل في الجزء الثري من الكرة الأرضية..”، والسبب في ذلك حسب باومان هو أن “المجتمع يحقِّرُ القيمَتَينْ اللتَيْن استدعتا وجود الشهداء والأبطال، ويدنيهما ويحاربهما، ويحط من قدر المثل التي تحتفي بالكلية والمدى البعيد” فالشهداء بنظر هؤلاء غير عقلانيين ومغامرين إلى حدود اللايقين.

‏وعليه، يمسي رفع تعرفة اشتراك “الواتساب” وسعر صحن “الطعمية” و”ديربي” الوحدات والفيصلي كما تكفير “الروافض والنصيرية” أقدر على استنفار الشعوب واستنهاضها، بل تصل عبوديتنا وانسلاخنا إلى حد الإمعان في الرقص على وجع الرضع والثكالى، والنفخ في أبواق المهرجانات فتمسي العواصم علب ليل يسترق لا بل ينصت فيها أمراؤنا ملياً لآهات غزة المغتصبة كل ليل وجهار كل نهار.. فعلى قول الشيخ أهلاً وسهلاً بكم في “موسم اللاشرف”!

spot_img
spot_img

شريط الأحداث

مقالات ذات صلة
spot_img
spot_img