وسيم منصوري
تصوير عباس سلمان

منصوري: كلنا شركاء في المسؤولية!

تحدث حاكم مصرف لبنان بالإنابة وسيم منصوري عن أوضاع المصارف، وأوضح أن “مصرف لبنان لديه اليوم التعميم 158 وهو التعميم الساري عمليًا، وأنه أصدر توضيحًا حول هذا التعميم في الفترة الأخيرة لشرح آلية السحوبات للمودعين”، مشيراً الى ان هذا التعميم كما كل التعاميم ليس منزّلًا وبالتأكيد هناك انتقادات من أكثر من جهة حوله، من خلال المراجعات التي اتسلمها.

وأضاف منصوري بعد لقائه نقيب محرري الصحافة اللبنانية جوزف القصيفي وأعضاء مجلس النقابة: “لا يمكن للمصرف المركزي أن يحلّ مكان كل الدولة، لحل أزمة بحجم الأزمة المالية التي يمرّ بها لبنان. البنك الدولي يقول إن الأزمة التي يمرّ بها لبنان، لم يشهد العالم مثيلًا لها منذ 150 سنة. ألا تستحق أزمة كالتي نعيشها اليوم، أن يتحرك كل سياسيي لبنان لحلّها، واضعين كل خلافاتهم وصراعاتهم جانبًا من أجل لبنان ولحلّ أمور الناس. التأجيل لحل مشاكلهم الداخلية هو الذي أدّى إلى الأزمة التي نعيشها اليوم. لذلك قلت وأكرر إنه لا يمكن المس باحتياطي مصرف لبنان من أول آب 2023 وصاعدًا. هل الاحتياطي الموجود في المصرف اليوم، كافٍ لإنهاء مشكلة المودعين في لبنان؟ الجواب هو سلبي. لا يمكن للاحتياطي أن يحل كل المشكلة. هل هذا الاحتياطي ممكن أن يكون أساس مناسب لإيجاد الحلول؟ أقول: “بالتأكيد، خصوصًا إذا أضفت على الاحتياطي في المصرف المركزي، احتياطات المصارف من خلال عملية هيكلة المصارف كما يجب. يجب أن تكون لدينا خارطة طريق للحل يمكن التعويل عليها”.

ولفت منصوري الى أن “حجم اقتصاد لبنان ليس كبيرًا ومن الممكن أن يستعيد عافيته الاقتصادية بشكل سريع. لذلك أقول وأكرر إذا وضعنا خارطة طريق سليمة لبناء اقتصاد سليم، طبعًا هناك إمكانية للحلّ”.

وتابع أن “خارطة طريق سليمة تقول: لا يمكن لك بناء اقتصاد سليم من دون قطاع مصرفي، وهذا القطاع لا بدّ أن يتعافى، وإذا لم يتعافَ لن نستطيع تكبير حجم اقتصادنا”. وشدد على ان القطاع المصرفي لن يتعافى إذا لم تتم المصالحة مع المودع، مشيراً الى الا قطاع مصرفيًا من دون مودع. واكد منصوري ان المعضلة الموجودة لا تحلها إلا قوانين واضحة وسليمة تحدد مصير هذا القطاع، أي مصير مَن سيبقى من المصارف ومَن سيخرج من هذا القطاع.

وطالب منصوري السياسيين “بترك خلافاتهم السياسية والذهاب إلى جلسة مشتركة في مجلس النواب، تضم الحكومة والمجلس المركزي للنظر بالقوانين المطروحة من خلال إطار قانوني سليم للرد على كل أسئلة المودعين”.

وأكد منصوري أن “المصرف المركزي ليس لديه الحلول لأزمة المودعين، لأنها ليست من اختصاصه. وابدى استعداده للعمل ليل نهار مع مجلس النواب والحكومة لإيجاد الحلول”. وطمأن انه لن يقف بوجه المودع لأخذ وديعته على سعر 90 ألفًا بالليرة اللبنانية إذا لحظت ذلك موازنة 2024.

وكشف ان الحاكم السابق لمصرف لبنان رياض سلامة كان يعتبر طلب الحكومة من المصرف المركزي أموالًا، أمراً يغطيه قانونًا، وان هذه لم تكن وجهة نظره لوحده، بل كانت وجهة نظر رئيس الجمهورية والحكومة والجميع، مشيراً الى ان المسؤولية لا تقع فقط على الحاكم السابق. وجدد منصوري التأكيد انه لم يكن متفقًا مع الحاكم السابق حول السياسة النقدية وان نظرة سلامة كانت مختلفة عن نظرته.

كما طمأن منصوري انه باقٍ على قراره في تمويل الدولة بسبب تدخلات ما، وانه لن يبدّله مهما حصل. وأوضح انه يتبع سياسة نقدية لا يدفع بموجبها عن أحد. وانه يقوم بتحويل الليرات لدى الدولة إلى دولار عبر شرائه من السوق والذي لن يؤثّر سلبًا على قيمة الليرة.

وأكد منصوري انه ضبط سعر الصرف، من خلال استعمال العملة اللبنانية، وبصفر تكلفة وان هذا الامر لم يحصل منذ ثلاثين سنة لافتاً الى انها سياسة مشتركة بالاتفاق مع رئيس الحكومة ووزير المالية، غير ان منصوري نبه الى ان هذه السياسة ليست مستدامة، لأن الدولة تعاني عجزًا في موازنتها. ودعا في هذا الاطار الى وجوب تكبير حجم الاقتصاد لخفض العجز.

ودعا منصوري الى اعتماد ثلاثية ذهبية للتعافي ترتكز الى تصحيح الإقتصاد، وتصحيح قطاع المصارف إضافة الى تصحيح أوضاع المودعين. وحذّر من انه إذا لم نعمل على تنفيذ هذه الثلاثية معًا لن نصل إلى نتيجة.

واعتبر منصوري أن المحاسبة ضرورية وان على القضاء أن يحاسب كل المرتكبين، مؤكداً ان الحلّ الوحيد للمودعين من أجل دفع أقساط أولادهم ودخول المستشفيات هو بوضع القوانين لمعالجة هذه المعضلة.

وفي ما خصّ تقرير “الفاريز أند مارسال” قال: “حضرت خمس جلسات وكشفت السرية المصرفية عن عدد كبير من الأشخاص ولن أترك “ستر مغطّى” سأرسل كل المشتبه بهم إلى القضاء. من واجبي أن أرد على تساؤلات “المعترين” أصحاب الودائع في المصارف، خصوصًا أولئك الذي لديهم استحقاقات صحية أو تربوية وما إلى هناك من الحاجات”.
واضاف: أنا الوحيد في الجمهورية اللبنانية الذي لا يحق له الاستقالة حتى لو رفضت الواقع الذي نعيش ويعيش اللبنانيون فيه. أنا تحملت المسؤولية بالشروط التي وضعتها من أجل النجاح بها. أنا باقٍ على موقفي وعلى الحكومة أن ترى إذا كانت تتحملني أو لا.

ورأى أن هناك اعتقاداً خاطئاً بأن “القوانين التي أطالب بها هي من ضمن برنامج صندوق النقد والقوانين الموجودة في مجلس النواب هي لدراسة وضعية الدولة القانونية والمالية، وما أطالب به لمواجهة المشكلة المالية الضخمة هو معالجة المشكلة وأسبابها، وهكذا نصل الى المحاسبة”، لافتاً الى أن المصارف تنتظر القوانين لمعرفة مصيرها ومستقبل عملها في الأسواق المالية.

وردًا على سؤال عن مَن هو مرجعيته السياسية وإلى مَن يحمّل مسؤولية ما وصل إليه الوضع في لبنان، قال: “لبنان مرجعيتي وأتحدّى مَن يقول عكس ذلك. وكلنا شركاء في المسؤولية. العالم يرى لبنان دولة مهمة إلا اللبنانيين. والمصرف المركزي في لبنان هو من أهم المصارف المركزية في المنطقة، وأتحدّى مَن يقول عكس ذلك. لدينا 8 مليار ونصف مليار دولار ولدينا الذهب وقيمته 18 مليار دولار ويُطلب منّا خبراء من المصرف الى الخارج لتدريب مصرفيين ولدينا الأملاك وعددها كبير. الميدل إيست قيمتها مليار دولار. علينا توضيح العلاقة السليمة المالية مع الدولة. وخلال فترة غير بعيدة سيصبح لدينا مؤسسة هامة. الأخطاء التي ارتكبت هي مسؤولية الجميع. كلنا كان يرى المشكلة. ولن أشمل المودع بالمسؤولية، بل أعني كل المسؤولين بالدولة”.

وعن دور الحاكمية في المرحلة المقبلة وسبل عودة الثقة، قال: “دور الحاكمية يكمن في عودة الثقة ليلعب المصرف المركزي دوره الحقيقي وليس أكثر من دوره. منذ الأول من شهر آب الماضي ليس لدى المصرف أية فاتورة تتعلق بما يخص وزارة الصحة والأدوية. لن أقول إنه كانت هناك مشكلة في السابق والسرية المصرفية مرفوعة عن كل ملفات الدعم وعددها 10800 وبإمكان الإعلام الكشف عليها. أنا لن أدعم. الدولة لديها الأموال، أنا أحاول المساعدة بتحويل ما لدى الدولة من أموال بالليرة إلى دولار”.

وشدد على ان “دور المصرف المركزي كما أراه هو دور تكاملي مع الحكومة وليس أخذ دور الحكومة ودوري هو تأمين الاستقرار النقدي الذي يؤمن الاستقرار الاجتماعي ودوري هو اعطاء الدولة النصيحة لتسير بطريقة صحيحة وهذا ما أقوم به بشكل كامل. ولكن الحكومة هي التي عليها أن تضع السياسة المالية والاقتصادية وليس أنا. وهذا هو الخطأ الذي ارتكب في الماضي. ليس من خلال سياستي النقدية أدير الحكومة. العكس هو الصحيح”.

وقال منصوري: “واجبي المحافظة على النقد في لبنان هكذا أرى دوري. وعن موضوع الثقة أنا أعتمد على الإعلام. حاجة الناس لتثق بمصرف لبنان هي أكبر من حاجة مصرف لبنان لأن تثق الناس به وأتمنى أن يكون مصرف لبنان الأرض الصلبة التي سيقف اللبناني عليها، وأنا أتعهد أمامكم أن يكون مصرف لبنان الأرض الصلبة كما أتعهد بكل كلمة أقولها: لا تمويل للدولة، أموال المودعين موجودة بانتظار الحل لنعمل بوحيه، لا استثناءات، تنظيم مالية الدولة من خلال المصرف المركزي تحققت، وتحسين المالية الداخلية وآلية المحاسبة تحقق العلاقة مع الدولة. أنا بحاجة إلى مساعدة الإعلام لتنوير الناس لاستعادة الثقة بالمؤسسة. والثقة بالمصرف المركزي تنتقل إلى مؤسسات أخرى”.

وعن الذي حققه منذ تسلمه الحاكمية بالإنابة، قال منصوري: “لقد صححت مالية الدولة وبدأت بتصحيح الحوكمة وآليات المحاسبة وانهاء العلاقة بين المصرف والدولة. السبعون مليار دولار لن تعود بما أقوم به بل بتدابير يجب اتخاذها ومن هنا تكمن أهمية تنظيم العلاقة مع الدولة”.

وعما إذا كان سبب زيارته إلى الولايات المتحدة كانت لأخذ “البركة”، قال منصوري: “نحن أكبر من ذلك، والمؤسسة التي أوتمن عليها ليست صغيرة. الكل مهتم بنا وزيارات السفراء لي متواصلة وإن لم أذيع عنها في الإعلام. وأنا مستعد أن ألتقى أي سفير عربي أو غربي من أجل مصلحة لبنان، المهم لدي هو أن تستفيد المؤسسة”.

وردًا على سؤال، أجاب: “أنا مقتنع أن هناك فجوة مالية كبيرة يجب الا يتحملها المودع وعلينا إيجاد الحل لهذه الفجوة ويجب تحميل ذلك إلى الذين حققوا أرباحًا غير مشروعة”.

وعما إذا كانت منصة “بلومبرغ” ستعيد ارتفاع الدولار، قال: “الذي يسهر الى الساعة الثالثة فجرًا من أجل تأمين الاستقرار النقدي، لن يسمح أن يهتز الاستقرار بسبب منصة هو وزملاؤه أرادوها ووضعوها”.

وعن تقرير “الفاريز” والأسماء التي أوردها لمستفيدين من الحاكم السابق، ولماذا حصل “التعتيم” على ذلك، قال منصوري: “كل الواجبات والإجراءات التي كان علي القيام بها مع لجنة التحقيق الخاصة حصلت. ولست أنا مَن وضع مضمون التقرير والأسماء التي نُشرت، هذا يخص وزارة المال والشركة. وصلني التقرير بالأسماء والأرقام ويتم درسه في هيئة التحقيق الخاصة ولدى القضاء معلومات كبيرة في ما خصّ هذا الموضوع. ولكن أنا لست مع التشهير بالأشخاص فهناك عائلات معنية. هناك من هو مظلوم وهناك من هو مرتكب. ولكن لست أنا من يقوم بالبطولات والشعبوية”.