الجمعة, يناير 9, 2026
spot_img
spot_img
spot_img
الرئيسيةSlider"الزائر" غريب.. والأبواب مقفلة.. والوطن "منديل"!

“الزائر” غريب.. والأبواب مقفلة.. والوطن “منديل”!

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| جورج علم |

ما هذا الزائر الغريب الذي لا يجد في لبنان الانفتاح، والتنوع، باباً مفتوحاً، وكرسيّاً مريحاً، وفنجان قهوة على طاولة المصير المشترك؟ ما هذه الكيمياء المنتهية الصلاحيّة التي لم تحقق الإنصهار الوطني الكامل منذ نشأة لبنان الصغير، إلى لبنان الكبير، إلى لبنان المجهول المصير؟

لقد دعا إلى الحوار، وقال إنه لن يعيد الكرّة لأن مكوّنين من جبال الصوّان رفضا الجلوس إلى الطاولة. لكنه عاد ورفع الصوت في الأمس القريب، وجدّد الدعوة بمناسبة الوقوف أمام ذكرى تغييب شخصيّة وطنيّة عابرة للفئويات والكانتونات، وحدّد المكان، والمهل، للخروج من زواريب المحاصصات والأنانيات، وإذ بالصدى مجرّد تراجيع تائهة، فيما الزائر لا يزال أمام الأبواب، لم يجد مأوى.

على ماذا يراهن الرئيس نبيه برّي؟ هل تسرّع، وهو الواثق الخطوة يمشي ملكاً؟ هل رمى حصاة في البركة الراكدة ليحدث تموجات؟ هل قرأ الفنجان الخارجي جيّداً، ليصارح الحيارى “اشهد أنني قد بلّغت”؟! يعرف الرجل ماذا يريد، ويعرف كيف يحقّق ما يريده. صقلته التجربة. برع في لعب أدواره على شفير المنزلقات القاتلة. إكتنز من عصارة الزمن، وبسط نعاس الليل فراشاً، ليصحو على فجر أمل جديد، لكن زائره لم يلقَ الترحاب المرتجى، هناك من يتلعثم بلعاب الحقيقة، يعرف المعابر، ويكابر. هناك من يصوّب على النقص. دعوة من دون جدول أعمال. ووليمة “مدامها” مفاجآت، من دون لائحة الطعام، من دون ذكر للأطباق الشهية الفاخرة التي تحفّز الجائع، وتشوّق صاحب المزاج الصعب. عتب البعض عليه كبير. والعتب هنا “ليس على قدر المحبّة، بل على قدر التهمة”. إنه من منظار المعارضة، فريق، ولم يعد مستقلاً، وسطيّاً، جامعاً، وشيخ صلح. إنه، بنظرها، العمود الفقري لـ”الثنائي”، ولـ”محور الممانعة”، ولم يعد لكل لبنان، ولكل اللبنانييّن. دخل يوماً مضى جامعة الروح القدس في الكسليك على وقع قرع الأجراس، وبخور الرهبان. لم يعد مشهد الأمس حاضراً اليوم في ضمير الجماعة، وبحر العتب عاصف مهدار، صاخب بمدّ عال، وأمواج عاتية تزعزع مرتكزات العيش الواحد، والوطن الواحد. ويستخلص من هذا الصخب سؤال واحد: هل هو رجل الدولة، أم الدويلة؟ وهل هو المؤتمن على الدستور، أم قاضي الأمور المستعجلة في تفسيره، وقولبته وفق مقتضيات مصالح فئويّة نشرت غسيلها فوق السطوح؟

وعندما تتهاوى النبال من كلّ حدب وصوب، يختلط الحابل بالنابل، وتقع إصابات على جميع المحاور، ولا تقتصر على فريق دون الآخر، ويصبح الحوار ضرورة قصوى، وسيارة إسعاف مجهّزة لإنقاذ ما تبقى من رمق. لا يجوز أن يبقى هذا الزائر غريباً وسط هذه الغربة الموحشة. والأبواب المشرعة تسمح للهواء النظيف بالدخول لطرد ثاني أوكسيد الكاربون، فيما الأبواب المغلقة، خلفها مخاوف، وشكوك، ونظرات من الإستفهام حول الحاضر والمستقبل.

وماذا بعد في ظلّ الشغور؟ وإلى متى؟ حتى الذين يراهنون على عامل الوقت، لفرض ما هو مرفوض، وقراءة أبجديّة البلد بالمقلوب، ونثر الوعود، ونشر الكلام الفوّاح، يدركون جيداً بأن سلاح الوقت شفار ذو حديّن، وليس ملكاً لصالح فريق دون الآخر، ولا حكراً على فئة دون أخرى، إنه كالأفعى، عند التقلّب في أنيابها العطب. ولا همّ هنا معرفة من هو على صواب، أو على خطأ. ومن يملك الحجة المقنعة، ومن يملك  فنّ الثرثرة فوق المياه المندفعة نحو مصبّ الضياع.

من المهمّ جداً العودة إلى الكتاب، وقراءة الدستور، وتطبيق نصوصه بشفافيّة، لكن الأهم إنهاء الفراغ. ووضع حدّ لهذا النهم المتمادي في هدم ما تبقى من وطن، ودولة، ومؤسسات. وماذا يجدي نفعاً التلهّي بحوار الطرشان بين قائل بأنه مدخل للتوافق، والتوافق مدخل لجلسات مفتوحة تنتج رئيساً، وقائل بأن لا شيء في الدستور يقول بالحوار أولاً، ولا شيء فيه يؤكد على الحوار كمدخل لانتخاب رئيس؟! ماذا تفيد كلّ هذه الثرثرة، إذا ما تمكنت مطحنة الأيام من طحن ما تبقى من حجر وبشر؟

وماذا بعد في ظلّ الشغور؟ وأي جدوى من الفراغ إذا كان العدّاد يلفظ أرقاماً خطيرة حول واقع الحال الإجتماعي، والتغيير الديموغرافي الذي يقطع شرايين اللبنانييّن من الوريد حتى الوريد. شباب لبنان يهاجر، والشباب الوافد يملأ الفراغ. العائلات اللبنانيّة تغادر، ويتوزّع أفرادها على دول فرص العمل السانحة، فيما تحتل عائلات طارئة المكان. لا شيء إسمه فراغ في حسابات الدول، وأرباب المصالح، وكلّ نزف يقابله نزف مماثل بإتجاه معاكس، المواطن يغادر، فيما الوطن يتحوّل إلى جناح طوارئ، يستقبل من تمكن من بلوغ الديار، حتى في وضح النهار.

وماذا بعد في ظلّ الشغور؟ وأيّ جدوى من الفراغ إذا كان المجلس النيابي مقفلاً، لا ينتخب رئيساً، لا يشرّع، لا يستطيع أن يقرّ مشروع قانون الموازنة، ولا القوانين الإصلاحيّة المطلوبة من صندوق النقد الدولي، والدول المانحة؟ أي جدوى من حكومة مستقيلة، لا هي قادرة على عقد جلسات متتالية لمجلس الوزراء، ولا هي قادرة على توفير الحد الأدنى من الخدمات للمواطنين، ولا هي قادرة أن تكون على مستوى التحديات المصيرية التي تتراكم وتشقع مداميكها فوق أساسات السيادة المنتهكة، والوطن المغادر.

قد يكون الحوار زائراً غريباً مرفوضاً من قبل البعض، لكن ما هو البديل؟ وقد يكون مطلوباً ومرغوباً من قبل البعض الآخر، لكن لأي لبنان بديل؟!

spot_img
spot_img

شريط الأحداث

مقالات ذات صلة
spot_img
spot_img