جمهورية عمرو دياب!

الديار

| نبيه البرجي |

اذا كان هنري كيسنجر قد قال أن صراع الشرق الأوسط هو بين نصف الله والنصف الآخر. لعل الصراع في لبنان بين نصف آدم والنصف الآخر. الأكثر واقعية يقولون انه الصراع بين نصف الشيطان والنصف الآخر!

ما علينا، والأزمة تزداد احتداماً وتزداد تعقيداً، الا أن ننتظر تغييراً في أنياب الشيطان. سؤال في صحيفة “لو باريزيان” الفرنسية “من يفهم اللبنانيين”؟ ولكن هل يفهم اللبنانيون اللبنانيين لكي يتمكنوا من التفاهم على صياغة قواعد، ولا نقول القواعد الفلسفية، لتحديد مسار حياتنا ومصالحنا وآفاقنا المشتركة؟

حين تكون الأكثرية في قعر جهنم، ويتجاوز ثمن بطاقة الدخول الى حفل عمرو دياب آلاف الدولارات. وحين تبدو أكثرية أثريائنا كما لو أنهم يعيشون على سطح المريخ، ولا علاقة لهم بمن يمضون الليالي الطويلة على الجمر.

لو كان “الاسرائيليون” يواجهون مثل أزمتنا، الأزمة البنيوية بل والأزمة الوجودية، هل كانوا يتصرفون بالطريقة التي نتصرف بها نحن. حين كانت جنازير الدبابات تسحق الجنود المصريين في صحراء سيناء، كانت الصحف الغربية تنشر صوراً لمصريين يدخنون النرجيلة على ضفاف النيل. لم يلاحظوا كيف كان لون الماء في تلك الأيام…

عندنا عام 2006، وكان “الاسرائيليون” بالهمجية اياها، يدمرون المدن والقرى على رؤوس أهلها، كانت الملاهي تضج بالراقصين والراقصات على أنغام عمرو دياب، وقريبته مايا دياب.

وحين كنتُ أتحدث على احدى الشاشات عن الشيزوفرانيا ـ الشيزوفرانيا القاتلة ـ في لبنان، وكيف يتحول “الاسرائيليون” الى حزمة بشرية ابان الحروب، اتصل المذيع بالوزير نهاد المشنوق الذي اعترض على كلامي دون أن يعرفني. رديتُ عليه بما قاله بالفرنسية رئيس الحكومة الراحل تقي الدين الصلح للرئيس سليمان فرنجية “Les musulmans ont honte d’etre heureux” ، أي أن المسلمين يشعرون بالعار أن يكونوا سعداء (بسبب القضية الفلسطينية).

نحن كلبنانيين، أمام القضية اللبنانية التي قال جورج قرم انها تضفي معنى لوجودنا، دون أن يعني ذلك في أي حال، محاكاة الثقافات أو الايديولوجيات الجنائزية. ولكن ألا يفترض بنا التفاعل مع آلام الناس؟

ما نقرأه في الصحف الغربية أن التجربة اللبنانية لم تفشل فقط، بل ذهبت أدراج الرياح. ولقد بلغنا ذلك الحد من اليأس، وحيث لا نراهن على يقظة الفينيق، واغتساله من الرماد، ما دام الديناصورات في بلادنا يغتسلون بالوحول.

قطعاً ليست أزمة رئاسة الجمهورية، وماذا تبقى من هذا الموقع في دستور الطائف؟ أيضاً، ليست فقط بالأزمة السياسية أو الطائفية. هناك منظومة حاكمة وضعت البلد في المزاد العلني (من يشتري هذه الجثة؟). بطبيعة الحال نحن ضحايا الضياع، وليس فقط ضحايا الفراغ، في منطقة لم تدرك حتى في القرن الحادي والعشرين المعنى الأخلاقي للدولة، ولا المعنى الأخلاقي للمجتمع.

ضياعنا قد يكون الأشد هولاً حين نقرأ في “لو باريزيان” أن هناك من حذّر جان ـ ايف لودريان بأن دوره في لبنان لا يتعدى دور أي من شخصيات صمويل بيكيت في مسرح اللامعقول.

دون أي تردد، والخراب يحدق بنا من كل حدب وصوب، أزمتنا بين نصف الشيطان والنصف الآخر. ولكن ألا يجر بعض ساستنا عربة الشيطان التي تحدثت عنها بعض الميثولوجيات القديمة. أنظروا الى النيران كيف تخرج من أفواههم، وأحياناً من آذانهم!

أزمتنا الآن ليست كسائر الأزمات التي، وبمؤازرة الخارج العربي أو الدولي، تمكنا من القفز فوقها. أكثر من نصف سكان لبنان ليسوا لبنانيين. هؤلاء زرعوا على شكل مستوطنات، ليكونوا القنبلة في الخاصرة…

اذ يطاردنا شبح تيودور هرتزل، وقبله شبح يوشع بن نون، البديل عن جمهورية جهنم جمهورية عمرو دياب. لو كان ضيفنا أفلاطون أو هنيبعل أو جبران خليل جبران، كم كان ثمن تذكرة الدخول؟ لن يكون هناك زبائن الا لمن يغني “كريم في جليم”. شو يعني…؟!