تصوير: عباس سلمان

“أرنب” عين التينة.. و”المكيول”.. وحصاد أيلول!

| جورج علم |

لا هو اقتنع، ولا هم اقتنعوا، ولا القناعة كنز لا يفنى في زمن الفراغ.

يدرك الموفد الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان صعوبة المهمة. يراهن على عامل الوقت، ربما تأتي الأيام بمستجدات تغيّر قواعد اللعبة. وعداللبنانيّين بأن “الفول قد يصبح في المكيول” اعتباراً من مطلع أيلول!

إصطدمت مهمّته:

  • بإصرار البعض على أن يبقى لبنان ىساحة لصراع المحاور. وما لم تحصل تفاهمات كبرى بين الدول المؤثّرة، فإن الصراعسيستمر حتى القضاء على البقيّة الباقيّة.
  • إن فرنسا كانت حاضرة في البرلمان الأوروبي عندما طالب بدمج النازحين. كان بإمكانها أن تعترض، أو تمتنع، لكنّها لم تفعل. إزدواجيّة المعايير عندها، عقّدت مهمّة موفدها، فمن جهة تريد إنهاء أمد الفراغ، ومن جهة أخرى تساهم في الإخلال بالتوزنات الدقيقة والحسّاسة.
  • إن حرص البعض على أن يبقى لبنان الجبهة العربيّة الوحيدة في الصراع العربي ـ الإسرائيلي، بين مجموع دول الطوق، لا ينبع من الغيرة على القضيّة الفلسطينيّة، بقدر ما ينبع من الغيرة على مصالح قوى إقليميّة لها حساباتها في المنطقة.
  • إن التطاول المتزايد على ما لدى مكوّن من ضمانات، قد أفقد البلد توازنه. هناك نهم ساري المفعول بدأ مع الطائف بتجريد الموقع المسيحي الأول من صلاحيات واسعة. وهناك شعور ساري المفعول بأن هذا النهم مستمر لفرض غلبة مزنّرة حتى الآن بلاءات ثلاث: لا لإنتخاب رئيس إلاّ وفق دفتر شروطنا. لا حقيبة ماليّة، إلاّ لبطانتنا. لا حاكميّة لمصرف لبنان إلا بما يتوافق مع مصالحنا وطموحاتنا. وربما هناك لاءات أخرى على الطريق…

الحوار بين المكونات، أصبح من سابع المستحيلات. هناك شرخ عمودي حول أي لبنان؟ أي دور، ووظيفة؟ أيّ عقد اجتماعي؟ أيّ نظام مالي، اقتصادي، تربوي، استشفائي، خدماتي…؟ الأسئلة كثيرة في ظلّ الفساد الذي تحوّل إلى “أخلاقيات”، يفاخر بهابعض من يتولّى المسؤوليات، ويعتبرها نهجاً مباحاً في الممارسات.

تحت ظلال هذا العوسج خرج “أرنب” من عين التينة. لقد بشّر الرئيس نبيه برّي اللبنانيين بـ”كوّة حصلت في جدار الاستحقاق الرئاسي”،بعد اجتماعه بالموفد الفرنسي. لكن هذه الكوّة لم تتحوّل بعد إلى معبر، ولا إلى باب تدخل منه رياح التغيّير، بل بقيت دون أثر. وسبق له أن وعد اللبنانيين بمجلس وزراء، وبتعيين حاكم جديد لمصرف لبنان، وإذ لا هذا ولا ذاك، وكأنه يحاول أن يستخرج من الأوهام تفاؤلاً، أو يسدّد كرة التعطيل في مرمى الآخرين…”حاولنا وما خلّونا”.

الأصح أنه منهمك بحاكميّة المصرف أكثر من إنهماكه بالإستحقاق الرئاسي. يشغله المال، والأرقام، ومصير الودائع، ومصير البلد إذا ما طارت الليرة، آخر مقومات وحدته. الليرة وحّدت اللبنانيين بعد نيف و17 عاماً من الإقتتال، وبقيت قويّة، صامدة، وحافظت على دورها كعنصر جامع ما بين الدويلات، عابر لخطوط التماس.

“أرنب” عين التينة، أقنع لودريان بـ”غلال” أيلول، وإمكانية وضع الفول الرئاسي بالمكيول. وصل الموفد الفرنسي إلى بيروت خالي الوفاض، لا السعوديّة رسملت مهمته رغم لقائه مع وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان، ولا لقاء الدوحة رفع من معنوياته، وجاء البيان الختامي كمخرج للمتحاورين، لا كمخرج لأزمة لبنان.

وبكلام أكثر وضوحاً: لا فرنسا قادرة، ولا الدول الخمس تريد، ولا أمراء الطوائف مستعدون للنزول عن الشجرة. وأمام هذه المعادلة، ردّد الموفد الرئاسي الفرنسي ما قالته العرب يوماً: “في الصيّف ضيّعت اللبن”!

حكايته مع الفراغ، بدأت عندما قبل المهمّة للقيام بما من شأنه أن يملأ الفراغ، متّكئاً على خبرة دبلوماسيّة مقطّرة من رحيق التجارب، وعلى رصيد من الصداقات لدى العديد من عواصم القرار، وعلى عامل الوقت، وما قد يضخّ من مستجدات.

نجح في جمع الدول الخمس، لكن البيان الختامي لم يحمل جديداً. لا دعوة إلى مؤتمر. لا طاولة حوار. لا مبادرة مقرونة بآليّة تنفيذيّة واضحة المعالم… بل مجرّد تذكير بواجبات أمراء الطوائف تجاه بلدهم، وشعبهم.

حاول مع قطر لتحويل الخماسيّة إلى سداسيّة بضم إيران، نظراً لما لها من دور ونفوذ في تدوير بعض الزوايا الحادة على الساحة، لكنه فشل، لأن الولايات المتحدة لا تريد. لا تريد واشنطن ضمّ طهران إلى طاولة الدول الخمس. لا تريد أن تفرّط بالورقة اللبنانيّة التي تمسك بها حتى حدود الإختناق.

بدورها لا تريد إيران الوصفات الأميركيّة المفخخة. ولا تريد التفريط بنفوذها على الساحة اللبنانية. بإمكانها أن تتنازل، وتعطي في بيروت، لكن مقابل أثمان باهظة تجنيها مباشرة من واشنطن، إن في ما يتعلّق بأمن الخليج، أو بالإتفاق النووي، أو بالأموال المحتجزة في المصارف الأميركيّة والغربيّة، أو في ما يتعلّق برفع العقوبات، والعودة المشرّفة إلىأسواق الطاقة، والاستثمارات.

أما الدول العربيّة، مصر والسعوديّة وقطر، فلا حول لها، وإن كان لديها بعض القدرة، مع بصيص من أمل في ما يتعلّق بالدور القطري. أما السعوديّة فلا تريد حرق كامل مراكبها مع الولايات المتحدة من أجل لبنان، يكفيها ما يجري لدى منظّمة “أوبيك +”، وأسعار النفط، والإستثمارات المفتوحة والواعدة مع الصين. مستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان، جعل من الرياض، مؤخراً، محطة رئيسيّة في برنامج تحركاته. زارها قبل أسابيع، والآن يعود يحطّ رحاله في واحاتها بهدف ضبط الإيقاعات.

أما فرنسا، فقد يتنحّى لو دريان، ولكنها لن تتنحّى… عينها على نفط لبنان، ولها فيه استثمارات شتى واعدة، ولا تريد التخلّي عن هذا الموقعالرابض على كتف الشرق الأوسط، حتى ولو أصبح الفراغ حالة مستعصيّة…

يبقى الرهان على عامل الوقت، و”حصاد” أيلول.. فهل يصبح الاستحقاق في “المكيول”؟