“العبور” في حضرة “الغائبين”!

/ سوسن صفا /

لم يكن يوما عاديا عابراً، فـ”العبور” إلى فلسطين هو الهدف.
هنا المكان مختلف، فيه الكثير من العبق، وفيه الكثير من الحضور.. رغم الغياب!
“الحاج عماد” كان حاضراً، ومعه حلق طيف الشهداء.

بدت الأشجار أكثر شموخاً في الجبال المحيطة بـ”كسارة العروش”، حيث نظمت “العلاقات الإعلامية” في “حزب الله” مناورة عسكرية لـ”رجال الله”، وقال رئيسها إنها الأولى أمام الإعلام في تاريخ المقاومة في لبنان.
هو حدث مختلف في الشكل والمضمون، والزمان والمكان.
يحدث للمرة الأولى، ويحاكي زوال كيان بات قريباً، ويبعث برسائل واضحة غير قابلة للتعديل، ليقول إن المقاومة أقوى، والهدف أقرب، وقريباً جداً “سنصلي في القدس”.

فلسطين لم تعد قضية تقتصر على شعار يرفع عند الحاجة، يضاف إلى آلاف البيانات الصادرة عن اجتماعات وقمم لم تتفق يوماً على عنوان واحد، ولم توحدها عروبة باتت يتيمة منذ زمن بعيد، وإن كان العدو واضحاً ومتفقاً على قتل العرب وإضعافهم.

من قلب الصخور الشاهدة على تضحيات وآلام كبيرة، كنا أمام لحظات مبهرة وسرعة لافتة في تنفيذ “المهمة” المفترض أنها حققت الهدف، وإن حملت في طياتها مهام متعددة. وعلى بعد أمتار قليلة، شاهدنا عرضاً حياً لعملية اقتحام مستوطنة، وأسر جنود، وإجلاء المجاهدين… في عمل أقرب منه إلى الخيال من الواقع، وكأننا في قلب معركة حقيقية بين المقاومة والعدو الصهيوني، نشهد فيها على بأس وصلابة وشجاعة شبان مؤمنين بأن القوة لا تجابه إلا بالقوة، وبأن ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة، والقوة هنا لا تقتصر على ترسانة عسكرية أو أسلحة متطورة، فهي تنبع من عقيدة ثابتة، وإيمان كبير، وفعل إنساني تحرري يرفض الخضوع والمذلّة، ولا يتهاون مع كل ما هو حق له.

هي ليست مسألة عادية عابرة، ولا عملاً روتينياً عسكرياً. هي ترجمة حقيقية لتحول فعلي في قدرات المقاومة ومعادلاتها على بعد 23 عاماً من العام 2000، عندما دحرت المقاومة في لبنان الجيش الذي كان “لا يقهر”، وأسست لتاريخ جديد.

في عيد التحرير، يحق لنا أن نحتفل، ويحق لنا أن نفتخر بإنجاز غيّر في صياغة التاريخ المعاصر، ورسم معادلات جديدة أضافت مصطلحات لم تعد أسيرة حبر وورق، بل تحرّرت من سطور الهزائم الطويلة، وكرّست معنى جديداً للانتصار وبُعداً مختلفاً في دروس الانتماء الوطني، وعشق الأرض والموت في سبيل الوطن.

في عيد المقاومة والتحرير، يحق لنا أن نقف شامخين، ونصفق طويلاً في حضرة الرجال الرجال، فالمجاهدون رجال ليسوا كـ”الرجال”، لن يكونوا يوماً مجرد عابرين في منصب أو موقع. للعبور هنا شكل مختلف ووقع مدوّي،
لأن كثراً يطالبون بالحرية، ولكن الشجعان فقط هم من يحصلون عليها.