“ساعة” تبعثر وطن.. وتحجب الشمس!

/ سوسن صفا /

حين تتعطل الساعة، لا يتوقف الوقت.. فقط نصبح نجهل تحديده..

في بلد تعطلت فيه الحياة منذ زمن بعيد، ليس مستغرباً أن تتوقف عقارب الساعة فيه عن الدوران بشكل طبيعي. فاتجاه عقارب الساعة وعملها، دليل على الانتظام الطبيعي والانتماء إلى الزمن.. إلى الحاضر، للعبور إلى المستقبل.

احترفنا الإنتظار، ولم نتعلم أن الأمور لا تتحسن مع الوقت وإنما نحن الذين نعتاد سوءها.  وكلما طال انتظارنا، طال جهلنا الذي لم يوصلنا إلا إلى الخوف من بعضنا البعض.

هنا فقط، تصبح ساعات انتظارنا طويلة، ونحن جالسون على قارعة وطن أمعنا في قتله، وفي تشويه كل جميل فيه، كمن ينتظر الشمس في يوم شتوي ماطر، حيث الغيم يأبى الرحيل.

ولأن الإنتظار موت، واليأس موت، دخلنا في مرحلة العتمة التي لا تنتهي. العتمة هنا لا تقتصر على الضوء، بل تتخطاه إلى عقولنا المظلمة ونفوسنا السوداء، حيث قررنا المكوث في قلب الإنقسام، وتوقفت الساعة عندنا في قلب المتاريس التي أجدنا بناءها بين بعضنا البعض.

يقول أينشتاين إن الغباء هو فعل نفس الشئ مرتين بنفس الأسلوب ونفس الخطوات وانتظار نتائج مختلفة.

وكأنه كان يتوقع أن الحمقى سيتكاثرون وينتصرون على الحماقة نفسها!

نحن تخطينا أينشتاين ونظرياته، وأصبحنا بحاجة إلى أينتشاين جديد بنقحة محدثة.

نحن من امتهنّا تخطّي الوقت، واحترفنا السير إلى الوراء.

التخلف لا يعني عدم الريادة بقدر ما يعني الإدعاء بما ليس لنا. نتغنى بدولة القانون والمؤسسات، ونمعن في الدوس على القانون وتشويهه، في تعبير واضح عن مرحلة الضمور التي نعيشها. كمن يطلق النار على أي إمكانية للعبور إلى مرحلة ناضجة من الحياة التي نفتقدها، ونحن الذين ارتضينا ان نصبح متسولين على أبواب الدول.

في وطني أوطان كثيرة، وأوجاع كبيرة، وفيه الكثير من الصدأ الذي أصاب عقولنا وأرواحنا…

هل كنا بحاجة إلى القبض على “الساعة” وتجميدها، علّنا نخفف عذاب انتظارنا الطويل للعبور إلى الضوء؟

أم أن “الساعة” كشفت هشاشتنا، وفضحت إدعاءاتنا المزيفة بـ”العيش المشترك” و”وطن الرسالة”؟!

أي رسالة نبعث بها ونحن من نجح في تطييف “الساعة”، على اعتبار أننا شعب ذكي ورائد، إلى حد الإستعداد لخوض الحرب مجدداً  تحت عنوان جديد، ولكن “صيفياً” هذه المرة!

التخلف هو أن نبقى قابعين في جهلنا المدقع، وخلف الجدران العالية، وفي قلب “المتراس”… التخلف هو في انخداعنا “بالتقويم”، لأن أيام السنة هي الأيام التي يفترض أن نستفيد منها لا أن نحصيها…

“العالمية” لا تكون بساعة معلقة في وطن “معلق”، ووطنية مغلفة بكل أنواع الحقد والعنصرية.

“العالمية” هي أن نسمح لأنفسنا بالتعلم من الوقت “المسروق”، وأن نتعلم كيفية الإستثمار فيه، لأن الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك…!

كما هو حالنا اليوم، “ساعة” واحدة نجحت في تقطيعنا إرباً متناثرة، مبعثرة، عصية على الإلتحام..

“ساعة” واحدة كانت كفيلة بإخراج الشياطين الساكنة فينا، في مشهد “مبهر” من عنصريتنا البغيضة!

“ساعة” واحدة أعادتنا عصوراً إلى الوراء، وحجبت عنا الحلم بوطن حقيقي…

“ساعة” واحدة أوقفت طلوع الضوء، وأمعنت في حجب أشعة الشمس، في وطن لم يحن أوان ربيعه بعد، حتى ولو أن هناك زهوراً لكل وقت وليس للربيع فقط…