“ثورة الساعة” توقظ فتنة “الشرقية” و”الغربية”: لماذا هذا الجنون؟!

/ خلود شحادة /

ربما لو صمت السياسيون، لما تأجّجت الطائفية المقيتة بين اللبنانيين، ولكانت القصة اقتصرت على بعض النكات والمزاح، وعدد من الانتقادات التي لا تتعدى الحالة الفردية، من دون أن يتحوّل المشهد إلى صراع طائفي “إسلامي ـ مسيحي” لم نرَه منذ زمن بعيد، لكننا ما زلنا نعيش آثاره جميعها.

في بلد لا طبابة فيه، لا تعليم رسمي، لا قضاء، ولا حتى انتظام مؤسساتي…

في بلد، الحلم ممنوع، ومحسوب على سعر صرف سوق سوداء، والتفاؤل فيه تهمة يُحاسب عليها المستقبل المشؤوم، والعمل فيه “سخرة” برواتب لا تكفي بدل نقل.. يتقاتل السياسيون على ساعة “لا بتقدّم ولا بتأخّر” عندما يكون العمر بحاله ضائعاً!

يمكن للبناني أن يقبلَ العيش المُتعب، ومرارة الفقر. كلّه مقبول، طالما أنه دون سقف الاقتتال وسفك الدماء، وهو المشهد الذي يهرب منه اللبناني دائماً، فأي بيت لم يُفجع بعزيز؟ وأي بيت ليس فيه جريح أو معوّق أو مفقود جرّاء الحروب، وأولها الأهلية؟

الخلاف جوهر التنوّع، إلّا في لبنان، يصبح حطب الحرب الكلاميّة ومصباح إيقاظ الفتنة التي يقولون إنها نائمة. والمصيبة الأساس أنه على الرغم من كل ما يغرق به الشعب من ويلات، ما زال يصدّق زعيماً يقول “أنا حريص على الطائفة”، وما زال يصدّق كذبة العزل الطائفي، وحلّ الفدرالية… كل الشعب اللبناني نسي أن السوق السوداء تحكم رقاب اللبنانيين جميعاً من دون تفرقة بينهم، وأن السياسيين بكل طوائفهم، ينكّلون بالمواطنين جميعاً فيما هم يعيشون حالة رخاء.

قرار عدم تقديم الساعة كان متسرّعاً، ولا معنى له.. وقد يتضمّن فعلاً مخالفة قانونية.
القرار بحدّ ذاته كان يمكن أن يرتد سلباً على رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي الذي ظهر ضعيفاً لا حيلة له أمام رئيس المجلس النيابي نبيه بري، وأن رئيس السلطة التنفيذية يديره ويتحكّم به رئيس السلطة التشريعية، كما ظهر في الفيديو الذي تم تسريبه.

نعم… ولكن ما الجديد في بلد يمشي أساساً “عَ الهلّة”؟!

ويقيناً، أنه لولا ردة الفعل غير المفهومة على القرار، وهدفها المعلن، واستهدافها لفئة من اللبنانيين، لكانت ردة الفعل عند الصائمين جلداً للقرار غير المدروس.

هرج ومرج على مواقع التواصل، سينعكس قريباً على الواقع والشارع اللبنانيين، وهذا متوقع ومنتظر، ولكن لم يكن أبداً بالحسبان أن يكون عدم تقديم الساعة كأنه ينذر بـ”قيام الساعة”!

تغريدات من حسابات حقيقية، لكن مستوى الطائفية المعشعشة في النفوس، من مختلف الطوائف، تدفع للوقوف دقيقة صمت، لفهم ما الذي يجري؟ وكيف يمكن لهؤلاء الأشخاص أن يكونوا بكل هذا الحقد!

يمكن الطعن في القرار، ولكن لا يمكن الطعن في سلمٍ أهلي هش جداً، وأنتم خير العارفين!

ماذا حصل؟ لماذا هذه الثورة غير المفهومة؟ هل يستحق تقديم الساعة أو عدمه هذا الانزلاق إلى أتون الفتنة؟!

لماذا كل هذا التحشيد الطائفي؟ هل “التوقيت الشتوي” للمسلمين و”التوقيت الصيفي” للمسيحيين؟ هل هناك “ساعة ميلادية” و”ساعة هجرية”؟!

رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع، تحديداً، الطائفية ليست غريبة، ولا محاولات خلق الشقاق بين اللبنانيين وتاريخه حافل.. والطيونة أقرب من التاريخ كشاهد وشهيد.

حزب “الكتائب”، تأثيره لا يتعدّى عدد من التغريدات على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو الذي اضمحل دوره وما زال يعيش حالة إنكار ويقف على أطلال الماضي.

لكن الصادم، كانت الحالة التي خلقها رئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل، متفوهاً العبارات الطائفية بكل أشكالها، متهماً الرئيس نبيه بري والرئيس نجيب ميقاتي، وكل من وافق على قرارهم بـ”التخلّف”، رافعاً سقف الهجوم إلى حدود الجنون!

هل حفلة الجنون هذه سببها خلافه مع “حزب الله”؟

هل الشعور بخسارة الرئاسة يدفع بالمرء إلى الخروج من ثوب لبسه سنيناً حتى كاد يدّعي أنه “التيار الشيعي الثالث”؟

كيف لنائب في مجلس نواب ينبثق عن الشعب، أن يتّهم أكثر من نصف اللبنانيين بالتخلّف؟!

كيف يمكن أن يكون “مسؤولاً” في الدولة، غير مسؤول عن السلم الأهلي ولا ينفك يدعو إلى عصيان الساعة؟!

كيف يمكن لتيار، أصرّ مراراً على رفض تصنيفه ضمن “اليمين المتشدد”، أن يقدّم هذا الخطاب الذي تخطّى كل الخطابات اليمينية، واستعاد تاريخ المتاريس والحروب، وفاحت منه رائحة البارود على محور “الشرقية – الغربية”؟!

ربما، حفلة الجنون هذه التي شارك فيها معظم الأطراف السياسية، هدفها الأساسي تمرير بعض القرارات من دون حسيب أو رقيب.

أما السؤال الذي يطرح نفسه للقوى السياسية المسيحية، طالما أن “التوقيت الصيفي” استطاع توحيدكم بمواجهة “التوقيت الشتوي”، فما الذي يمنعكم من الاتفاق على رئيس للجمهورية لتنتهي هذه المهزلة التي يعيشها البلد؟ انتخاب رئيس للجمهورية هو ورقة رابحة لجميع اللبنانيين أكثر بكثير من تأجيج الفتنة التي سيكون الجميع فيها خاسر!

انقسم اللبنانيون على الساعة، صحيح، ولكن متفقون على كل الويلات، يتشاركون الأزمات والفقر والجوع وضياع الأحلام، ويتقاسمهم زعماء الطوائف وجبة دسمة على مائدة التسويات!