الصراع الماروني ـ الماروني.. ولعنة “المسامير” والسلطة!

/ جورج علم /

إنعقد مجلس الوزراء بمن حضر. كسب الرئيس نجيب ميقاتي الجولة تحت مسميّات “الضرورة”. وقدّم “التيار الوطني الحر” ما عنده من عروض، وطاقات، وإمكانات، وإنتشى خصومه ـ وهم كثر ـ ومن المسيحييّن قبل المسلمين، نشوة النصر، لأن ما جرى أكثر من عمليّة لَيّ أذرع، إنها بداية تفكك المؤسسات، نتيجة الشرخ الوطني الذي يتعمّق في بيئة الفراغ.

ويستدعي ما حصل، فعل استدراك قبل فوات الأوان، وقبل أن ينتقل البلد من “جهنم” إلى رماد في المحرقة، وعندها لن يعود من طائر “فينيق” ينبعث، ويحلّق عالياً، لأن البلد يكون قد فقد صيغته، وميثاقه، ورسالته، وأصبح مجرّد رصيف عند حقول الغاز والنفط، تزرعه ذهاباً وإياباً أقدام الشركات الكبرى، ومن يقف وراءها من دول مستأثرة، قادرة على تقاسم الجبنة في ما بينها بحريّة، وراحة بال!

في اللحظات الأولى، وبعيد إنتهاء جلسة مجلس الوزراء، دار الحديث حول سؤال جوهري: من هي الجهة التي تراقب، وتعاين، وتدفع بلبنان نحو الإرتطام الكبير، لتحطيم هذا البلور الصافي إلى شظايا طائفيّة، وفئويّة، ومذهبيّة متناثرة؟ ومن هو هذا الساحر الكبير الذي يتلاعب بالأولويات، والتوازنات، ويدفع بالرئيس نجيب ميقاتي إلى أن ينكث بوعده أمام مجلس النواب، ويدعو حكومة تصريف الأعمال إلى جلسة لمجلس الوزراء بفعل “الضرورات”؟ ترى، أما كان بإمكانه معالجة هذه الضرورات قبل بلوغ هذا المنعطف الخطير، وبوسائل شتى، خصوصاً، وأنها ليست من النوع الطارىء، والمستجد، وقد بدت تباشيرها تلوح في الأفق منذ أشهر، لا بل منذ سنوات؟

والخطير، إن جلسة مجلس الوزراء، يُنظر إليها من منظار فئوي، طائفي، على أنها “غزوة” على المحرّمات، تحت شعار معالجة الضرورات، وهي لم تستهدف مضارب “التيار الوطني الحر”، بل بكركي في المقام الأول، ثم “القوات اللبنانيّة”، وحزب “الكتائب”. وهذا ما يفتح الباب على تفاعلين:

الأول، أن “تفاهم مار مخايل”، قد جاء بالرئيس القوي، وكانت النتيجة فتح معارك “تدميريّة” مع ثلاثة من الموارنة الذين يحتلون مراكز حساسة في هرميّة الدولة، وهي: حاكمية مصرف لبنان، قيادة الجيش، ورئاسة مجلس القضاء الأعلى.

الثاني وهو الأخطر، تنامي الشعور لدى غالبية المسيحييّن باستهداف دورهم، وحضورهم، بدءاً برئاسة الجمهورية التي جُرّدت من صلاحيات وازنة، ومؤثّرة. ويصار حاليّاً إلى تهميشها أكثر فأكثر من خلال النكد السياسي الذي حوّل جلسات انتخاب رئيس الجمهوريّة إلى فولكلور من النوع الرديء على مسرح ساحة النجمة، وصولاً إلى تحويل الدستور إلى وجهة نظر يتذرّع بها البعض لتغطيّة ممارسات أقلّ ما يقال فيها بأنها تكرّس منطق “غالب ومغلوب” في البيئة الوطنيّة، على خلفيات طائفيّة ومذهبيّة.

وفي العودة إلى “الصراع الماروني – الماروني”، والمسار الإنحداري، يمكن القول إن المارونيّة السياسة فتكت بأهلها، وشعبها، وبيئتها، قبل الآخرين، أو حيث لا يجرؤ الآخرون، كونها بيئة مريضة تعاني من الجشع، والطمع، والأنانيّة إلى أقصى الحدود، وتصرّفت مع لبنان الوطن والدولة، كعقار، وحصر إرث، وملك خاص يتوارثه الأولاد والأحفاد. وتحوّلت الرئاسة الأولى إلى “كنز سحري” يهون من أجله كلّ غالٍ ونفيس، وهذا ما أدى فعلاً إلى إراقة دماء، وسقوط ضحايا بين بعض زعماء الموارنة لبلوغ هذا “الكنز”، وتبوؤ صدارته.

تمادى هذا المرض أبّان الحرب الأهليّة، وما بعدها، ليفرض معادلة عنوانها: “القوي في طائفته، هو القوي في وضع يده على الزناد”، وكانت النتيجة أنه في الساحة المسيحيّة، والمارونيّة تحديداً، “أقوياء أربعة” فقط لا غير، وإن طائفة لا تستطيع إيصال أمثال ريمون إده، ونسيب لحود، وبيار حلو، وجان عبيد، وميشال إده… وغيرهم، وغيرهم، إلى سدّة الرئاسة الأولى، هي طائفة اختارت بحكم الأمر الواقع أن تحيك حول نفسها شرنقة!

والصراع الماروني ـ الماروني، حول الرئاسة الأولى، لا يعطي براءة ذمة للشركاء الآخرين في الوطن، وأيضا للجوار. هناك حقائق يجب أن تقال، لأنها تحفر عميقا في الوجدان المسيحي:

هناك شعور مزمن بأن التيار الناصري الذي كان جارفاً في لبنان، والعالم العربي، قد زرع أول مسمار في وتد المارونيّة السياسيّة. هذا شعور قد تناقضه معطيات وظروف تلك المرحلة، وما شهدته من تحولات وتحالفات، ودوافع رافقتها، وربما بررتها، لكن ما هو مضمر يجب أن يقال على علاّته، ويتحرّر من عقد النقص.

المسمار الثاني الذي زرع في وتد المارونيّة السياسيّة، كان زمن المقاومة الفلسطينيّة، و”اتفاق القاهرة”، و”الطريق إلى تحرير فلسطين يجب أن يمرّ من عيون السيمان، وجونية”. إن صولات وجولات تلك المرحلة، تركت أثلاماً لا تمحى من الوجدان المسيحي ـ الماروني.

المسمار الثالث، كان الحرب الأهليّة، وجنوح المسيحيين نحو إسرائيل، وخروجهم من المعركة بأعلى وأغلى الأكلاف البشريّة، والمعنويّة، والماديّة، بعدما تحوّلت إلى حروب تصفيات في ما بينهم.

المسمار الرابع، كان تجريد رئيس الجمهورية من صلاحياته، وفقاً لاتفاق الطائف، وتحويلها إلى مجلس الوزراء مجتمعاً. ومعظم المكونات تطرح اليوم أسئلة جوهريّة حول مدى الإستنسابيّة، والفئوية، والطائفيّة التي تتلاعب في عملية تطبيقها.

المسمار الخامس، كان عندما ابتدع السوري صيغة “الترويكا”، و”الرؤوس الثلاثة” التي تدير دفة الحكم في لبنان.  بلد يدار برؤوس ثلاثة، وصل إلى ما هو عليه الآن.

المسمار السادس، عندما اغتيل الرئيس رفيق الحريري، وانتهى معه النفوذ السعودي في لبنان، ليبدأ النفوذ الإيراني ممثلاً بالدور الذي يشغله “حزب الله” على الساحتين المحليّة، والإقليميّة.

وتحت وطأة هذه المسامير، وبعد الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء، يمكن اختصار المشهد عند مكوّن أساسي في بناء لبنان، بالآتي:

  • هناك شعور يؤكد بأن الصراع الماروني ـ الماروني ألحق أضراراً لا تغتفر بحق الطائفة، ودورها، ومكانتها، في الوطن، والمحيط.
  • هناك شعور يتنامى بعد جلسة مجلس الوزراء، بأن الموارنة والمسيحييّن مستهدفون من الثنائي الشيعي، بالتنسيق والتعاون مع ممثل السنة في هرميّة الدولة، وفئات أخرى. صحيح أن الضرورات تبيح المحظورات، ولكن عندما تكون هذه المحظورات على مستوى الاعتقاد بأن “ضرورات” الرئيس نجيب ميقاتي، ومن يدعمه، أهم، وأكثر إلحاحاً من ضرورات انتخاب رئيس للجمهوريّة، فهذا يعني أن لا حاجة لانتخاب رئيس، وأن تسيير شؤون البلاد والعباد أمر ممكن، ومتاح، دون الحاجة الى رئيس للجمهوريّة!
  • هناك شعور بأن “حزب الله”، ومن منطلق فائض القوة، هو الذي يتحكّم بمسار الإستحقاق الرئاسي. يريد أن يحتفظ بسلاحه، ومقاومته، وخياراته، وتحالفاته الداخليّة، والخارجيّة ويقول للآخرين: “تفضلوا لنتحاور ونتفاهم على الرئيس الذي نرتاح اليه”. إن التوازنات الداخليّة بحاجة إلى إعادة التوازن في ما بينها، قبل التفاهم حول مواصفات الرئيس، ومواصفات الدور المطلوب منه.
  • وأخيرا ـ وليس آخرا ـ هناك شعور بأن بعض المجتمع الدولي يريد الفراغ. ويريد أن يستثمر في بيئته، لتوطين النازح السوري، واللاجىء الفلسطيني، وإحداث تغيير ديموغرافي، وضرب التوازنات بين المكونات اللبنانيّة، وإنهاء الدور الماروني ـ المسيحي في السلطة، وهيكليّة النظام، وتحويل لبنان الى مجمّع “هولدينغ” لشركات النفط، كي نضع الدول الكبرى يدها على غازه، ونفطه، واستثماره في ظلّ دولة مرسومة حبراً على الورق.