الإثنين, فبراير 16, 2026
spot_img
spot_img
spot_img
الرئيسيةSliderوالآن.. مرحلة "ترسيم الحدود السياسية"!

والآن.. مرحلة “ترسيم الحدود السياسية”!

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

/ جورج علم /

تقف أمام محطة الوقود أرتال من السيارات. المشهد ليس في منطقة الدورة، ولا على الطريق الممتدة ما بين بيروت وطرابلس، بل في باريس، والجوار. وتحتشد صفوف من البلجيكييّن أمام الواجهات في المتجر الكبير تستعرض أسعار الخبز، وما طرأ من إضافات على ثمن الـ”Baguette”. ويستقظ الألماني من نومه ليستعرض بورصة الطاقة، وهل من كميات متوافرة من الغاز، وكم هي نسبة التقنين؟

يجري هذا في أوروبا، موئل الحريّات المسؤولة، وليس في بلاد “الماو ماو”. لم تعد ديمقراطية الغرب حكراً على القضايا الكبرى، بل تواضعت لتعالج البديهيات، وتبحث عن حلول لأزمات الطاقة، والرغيف، والضمان الصحي، والإجتماعي، وصدّ موجات النزوح، وتوفير المواد الإستهلاكيّة الأساسيّة. إنتهى زمن الترف الإجتماعي، ليبدأ زمن التقشف الطوعي.

هذا لا يعني سواداً بالكامل، ولا توغّلاً في أنفاق مظلمة، طالما أن “مولّدات” الديمقراطيّة الأوروبيّة لا تزال شغّالة، ومنتجة، ولها الرصيد الكافي من المؤهلات. حتى أفعال التفضيل لا يجوز إستخدامها للمقارنة بين ما عندنا من ديمقراطيّة، وما عند الغرب من “مهنيّة” وتراث. ورغم ذلك يمكن التوقف عند ملاحظتين:

الأولى، أن الهم المعيشي بات يشكّل كابوساً مشتركاً، وما يعاني منه اللبناني، يعانيه الأوروبي مع فوارق في السلوكيات، وسبل المعالجات.

الثانيّة، إن العقول الفتيّة، والسواعد المنتجة لا تزال تشكّل الرصيد الأقوى، والأفعل، في “القارة العجوز”، فيما شبابنا يترك وطناً في عهدة شيخوخة عاجزة، ليزرع طموحاته في أوطان أخرى.

والشيخوخة العاجزة تروي غليلها من نهر الشعبويات، والفئويات الهادر. لا خوف عندها من شارع غاضب. هذه الشيخوخة وأدت ثورة 17 تشرين، ودفنتها في مقبرة التاريخ، وأجهزت على المصارف، ونهبت المال العام، وأفلست الدولة، واستباحت المؤسسات، وانتهكت المحظور، والآن تشرب الأنخاب، وتتبادل التهاني بولادة تفاهم ترسيم الحدود في بحر الناقورة، لا لشيء أنجبته، بل احتفاء بمورد جديد، يقال بأنه سيدرّ ذهباً وهّاجاً!

ليس من المنطق التنكر لجهد بُذل للوصول إلى تفاهم يُقال بأنه حفظ حقوق لبنان كاملة. لكن الشيخوخة العاجزة لا تسقط من أحاديثها “مونة” الآخرين، ومساهماتهم في تحقيق ما تحقق. إنها تتحدث عن مناخ إقليمي ـ دولي سرّع التفاهم، وساهم في تذليل الكثير من المطبّات، ولذلك فإن المردود لا يزال في دائرة الإلتباس لسببين:

الأول، إن “الشريك” الذي ساعد على ولادة التفاهم، سواء أكان أميركيّاً، أو فرنسيّاً، له مصلحة، وهو يطمح لأن تكون له حصّة في المردود، عندما يتم الإستخراج، وتعرف الكميات، والمواصفات.

والثاني، إن الشيخوخة العاجزة، لا توحي بالثقة. لقد مرّت بتجارب، وخاضت امتحانات، وأثبتت عدم كفاءة وأهليّة في إدارة شؤون البلاد والعباد، والدليل هو القعر الذي بلغه لبنان، “والذي لم يبق تحته، من تحت”!

وبعيداً عن المآسي، والمراثي، لا بدّ من التوقف عند الأساليب، والممارسات السائدة حاليّاً لمواجهة الاستحقاقات. أغلب الظن ـ كما يقول أحد الدبلوماسييّن العرب الذين زاروا لبنان قبل أيام ـ تبدو الأمور “داشرة”. ويحضر إلى المخيلة استنتاج مؤسف، وكأن البلد متروك لقدره، وإن الشيخوخة العاجزة تتصرّف إنطلاقاً من قناعة وكأن لا مسؤولية لها حيال ما يجري، وإن كان هناك من مسؤولية، فهي عاجزة عن استنباط الحلول والمخارج، وإن دورها محصور فقط، بـ”ما شفت حاجة”، بإنتظار الوحي، وكلمة السر، مع اقتناع شبه مطلق بأنه لا بدّ من “خارج”، وهذا “الخارج” لا بدّ أن يتدخّل في اللحظة الحاسمة، ليضع الطرابيش!

لا شك أن التفاهم حول الترسيم قد أعاد لبنان إلى دائرة الإهتمام الدولي، وأعاد بعض الاعتبار الى الشيخوخة العاجزة التي تتباهى بالإنجاز الذي تحقق، لكن اللافت أن إهتمامها بدأ يتمحور حول كيفيّة الإستفادة، وتوازع الأرباح، قبل الإستخراج، وحتى قبل التفكير في آليات العمل المطلوبة للوصول الى الإستكشاف، وتحديد الكميات. أما ماذا عن الاستحقاق الرئاسي؟ ماذا عن الحكومة؟ أي فجر جديد سيطلّ على اللبنانيين بعد ليل 31 الجاري؟ فلا جواب. وتراهن الغالبيّة على مؤازرة “صديق”، ويجول الحراك في ملعب الفراغ بإنتظار تفاهم آخر حول ترسيم المستقبل السياسي للكيان والنظام.

ويبدو ترسيم الحدود البحريّة وكأنه جزء من كل، سيتمّ التعرّف عليه من الآن فصاعداً. ويتحدّث العديد من الدبلوماسييّن، ومن موقع الجزم، بأنه سيشكّل المدخل الذي لا بدّ منه للوصول إلى ترسيم الإنجازات الدستوريّة، والحدود السياسيّة، والسياديّة للبنان المستقبل. والشيء المقلق أن تورّث الشيخوخة العاجزة، عجزها للوطن، قبل أن تستسلم، نتيجة مؤشرات منها:

  • إن المقيم لا يزال يبحث عن ليتر البنزين، والرغيف، وحبّة الدواء، وإن انتقلت الجائحة الى أوروبا. وإن مواطناً منهمكاً بالبحث عن قوت يومه، مؤهل لأن يتقبّل أي صيغة تشكّل مخرجاً تحرّره من سجن الإذلال، ودوامة البؤس.
  • إن الشباب الواعد المؤهل بأن يستلم القيادة، يعاني من غربتين: لا بدّ من تحقيق مصالحة ما بين قناعاته ووطنه، لحمله على العودة. ولا بدّ من تنظيف المسؤولية من أدران المحسوبيّة، والفئوية، لكي يبدأ زمن النهوض.
  • إن الحراك المحلي يبدو عاجزاً عن انتخاب رئيس “صنع في لبنان”، وهذا ما يشجّع “المهندس الخارجي” على “هندسة الترسيم السياسي” للكيان والنظام، واختيار فريق العمل الذي ستوكل إليه مهمّة التنفيذ. وهذا ـ إن حصل ـ سيكون أفضل ما توصّلت إليه الشيخوخة العاجزة من إنجازات!

 

spot_img
spot_img

شريط الأحداث

مقالات ذات صلة
spot_img
spot_img