/ علاء حسن /
لا يفوت البعض فرصة، من دون الخوض في قضية السلاح، وضرورة إنهاء الصراعات العسكرية، راسمين عالماً وردياً يخلو من النزاعات والحروب.
لكن هذا البعض، إما أنه متحمّس لـ”التطبيع”، وإما أنه يلتبس عليه التمييز بين الحق والباطل نتيجة زوال المعيار في التعامل مع القضايا الإشكالية.
وقد برزت مؤخراً، الكثير من الآراء التي تتحدث عن تنازل المقاومة عن فكرة العداء للكيان الصهيوني عبر غض الطرف عن ترسيم الحدود البحرية، والذي أنجز برعاية أميركية، معتبرين ذلك نوعاً من “الاعتراف الضمني” بالكيان، والذي قد يعبد الطريق أمام اعترافات أخرى من النوع السياسي، على غرار ما قامت به منظمة التحرير الفلسطينية في التسعينيات من القرن الماضي بعد اتفاق أسلو.
على أن هناك نقطة في غاية الأهمية يغفل عنها المتحمّسون للتطبيع، وهي الفرق بين الاعتراف بالكيان وبين الإقرار بوجوده واقعاً. وهذا الخلط هو الذي يشوش على الوقائع. ذلك أن عدم الاعتراف بالكيان، لا يعني بأي شكل من الأشكال عدم الإقرار بوجوده، فلو كان المفهومان واحداً لما كانت المقاومة ستكون من الأساس، بل إن الإقرار بوجوده هو الذي أنشأ المقاومة وهو الذي بلور المواقف الثابتة منه طيلة فترة وجوده، منذ ما قبل إعلان دولة الكيان والاعتراف بها في الأمم المتحدة وحتى يومنا هذا.
أضف إلى ذلك، أنه من زاوية الإقرار بوجوده، حصلت عملية وضع النقاط البرية بعد تحرير عام 2000 ورسم الخط الأزرق، وبعدها وقبلها المفاوضات غير المباشرة التي أجرتها المقاومة بنفسها لتحرير الأسرى على دفعات عدة، وآخرها “عملية الرضوان” التي جرت في العام 2008 التي حررت عبرها المقاومة الأسير الشهيد سمير القنطار وعدداً آخر من الأسرى وجثامين الشهداء.
وفي المقلب الآخر، لا شك أن لكل من الكيان الصهيوني والولايات المتحدة أهدافاً يريدان تحقيقها عبر إنجاز هذا الترسيم، فبالإضافة إلى الأهداف التقليدية مثل تأمين استخراج الغاز من شرق المتوسط وخلق بيئة آمنة لعملية نقل الطاقة إلى أوروبا خصوصاً، هناك أهداف أخرى يعمل عليها كل من الكيان وأميركا.
فالكيان الصهيوني قام على فكرة أن القوة العسكرية، وحدها، هي التي تمكّنه من البقاء في محيط مُعادٍ لا يقبله. ولم تكن الرهانات على إنشاء روابط اقتصادية بالمنطقة هي الأساس في استراتيجية الاحتلال، في بداية رحلته على الأقل، لأن إنشاء هذه الروابط كان أمراً غير ممكن ببساطة، إلى أن تحدث شمعون بيريز في كتابه “الشرق الأوسط الجديد” عن أهمية الروابط الاقتصادية بالمنطقة من أجل الهيمنة عليها. وقد بلور بيريز هذه الفكرة انطلاقاً من التجارب العسكرية السابقة للكيان، والتي أفضت جميعها إلى زيادة منسوب العداء له من قبل العرب، وقد سبقه في هذا الأمر اسحاق رابين الذي قال “إن التعاون المتزايد مع الأسواق الممكنة لنا، هو الآن في رأس أولوياتنا”. فقد كان رابين يدرك أن الاختناق، اقتصادياً وثقافياً، من دون وجود بديل، سيكون مدمّراً للكيان.
ومنذ أوسلو وإلى اليوم، يسعى الكيان الصهيوني إلى فتح ثغرات في العالم العربي عبر البوابة الاقتصادية، والتي سهلت له العمل بهذه النظرية التوغل في الجسم العربي والإسلامي كثيراً، وصولاً إلى إعلان التطبيع بشكل رسمي مع عدد من هذه الدول. وقد يعتبرها اليوم فرصة لزيادة التواصل مع الطرف اللبناني، من أجل تمهيد الطريق أمام منع المقاومة من الاستمرار في تهديد الكيان في المستقبل.
وفي السياق نفسه، ترى الولايات المتحدة أن اتفاقية الترسيم فرصة لإدخال “حزب الله” في منظومة أمن الطاقة العالمية، مما سيرغم الحزب على التعامل مع الفرص والتهديدات وفق قواعد اللعبة المرسومة في هذه المنظومة، الأمر الذي سيؤدي في نهاية المطاف إلى تدجين المقاومة وشل قدرتها على الاستمرار في اللعب خارج الصندوق.
لكن، ما لا يدركه هؤلاء أن للمقاومة حسابات مختلفة عما يخططون له. فالمقاومة التي تقرّ بوجود هذا الكيان، كما تقرّ بوجود وتأثير الولايات المتحدة، تدرك جيداً أن المتخاصمين والأعداء أيضاً يجلسون على طاولة المفاوضات، من دون أن تعني هذه البراغماتية في الأداء السياسي، التخلي عن الأسس والأصول الثابتة التي تشكل العامود الفقري لوجودها، والتي بدونها سوف تتحول إلى كيان جديد لا يمت لهويتها الحالية بصلة.
ثم إن ما لا يفهمه الأعداء أيضاً، أن المقاومة تتعامل مع المسائل الإشكالية بشكل منفصل، وكما يعبر عنها باللهجة الدارجة “بالحبة”، ولا تتعامل معها بصيغة ملف موحد.
بعبارة أخرى، إن اتفاق الترسيم البحري لا يعني بأي شكل تغييراً في موقف المقاومة أو في أدائها من مسألة مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، ولا يعني أيضاً أنها ستقبل أو تسكت عن الخروقات الجوية والبرية التي يقوم بها العدو الصهيوني.
والأهم من ذلك، الموقف المبدئي من القضية الفلسطينية، والهدف المرسوم بإنهاء وجود هذا الكيان من الأراضي المقدسة، ما يعني أن القبول بالتوافق في ملف معين يخدم المصالح اللبنانية لن يكون له تأثير على رؤية المقاومة للقضايا الكبرى، ولن يثنيها عن العمل على تحقيقها، وإن الوقوف خلف الدولة اللبنانية في هذا الملف لا يعني أنها ستقف خلفها مستقبلاً في قضايا تناقض مبادئها الجوهرية في ما يخص الكيان الصهيوني.
في المحصلة، تدرك المقاومة أنها تتعامل مع عدو، وأن للعداء أشكال. ففرض الإرادة يتم تارة عبر التفاوض المستند إلى القوة، وتارة عبر استخدام القوة نفسها. وأن هذا الكيان لن يكفّ عن عدائه، لأن عداءه متأصل في هويته ولن يتغير. وبالتالي فإن هذه الأرض لن تحمل الطرفين على مدى الزمن، فإما أصحابها، وإما المحتل، والمستقبل أن ينبئ بمن سيبقى.













