انتخابات “تصحيح المسار”: الكويت تخرج من “فضاء الالتباس”؟

/ الكويت ـ جورج علم /

أنجزت الكويت انتخابات تشريعيّة هادئة، تكامل فيها حسن التنظيم والإعداد، مع حسن فرض الأمن، والاستقرار، وحسن احترام القوانين المرعيّة الإجراء.

واقترن العرس الانتخابي بشعار “تصحيح المسار”. وهو الشعار الذي ارتضاه أمير البلاد الشيخ نوّاف الأحمد، في خطاب ألقاه ولي العهد الشيخ مشعل الأحمد في 22 حزيران الماضي، معلناً فيه “حلّ البرلمان، لعدم التوازن، وانسداد الأفق السياسي بسبب التأزيم”.

و”التأزيم” له وجوهه، وعدّته التعطيليّة، وقد اكتسب هويته بفعل الممارسة، و”الحروب الديمقراطيّة” المفتوحة ما بين نواب في مجلس الأمة، وأعضاء بارزين في الحكومة، حول قضايا ماليّة، وانمائيّة، واجتماعيّة، وكانت تتحوّل إلى استجوابات، ونقاشات تنتهي بطرح الثقة. وقد أدى هذا النوع من المسارات إلى تعطيل إنتاجيّة السلطتين التشريعيّة والتنفيذيّة، والتخلف عن إنجاز ما وعدت الحكومات به في بياناتها الوزاريّة من مشاريع إنمائيّة ونهضويّة، الأمر الذي انعكس تباطؤاً، وتراجعاً في ورشة الإعمار والإزدهار.

إن عقداً من السنوات قد مرّ، والكويت تسبح في “فضاء الإلتباس”: استقالة حكومات، وتأليف أخرى، وحل مجلس الأمة، والدعوة إلى انتخابات مبكرة لإحداث التغيير، والخروج من دوامة الانسداد، والتأزيم، من دون جدوى، إلى أن حان وقت اتخاذ القرار، لتصحيح المسار، فهل التصحيح ممكن؟

هناك عوامل ثلاثة يبنى عليها:

  • الحريّة المطلقة التي وفّرتها الحكومة للناخب الكويتي في هذه الدورة، ومعها عدم التدخل، وتوفير البيئة المؤاتية، وتحميل المواطن مسؤوليّة قراراته، وخياراته.
  • تعميم الشفافيّة، والكفاءة، على حساب الفساد، والترهل، والمحسوبية في الإدارة، وفتح الأبواب وسيعة أمام الورشة الإصلاحيّة، النهضويّة في مختلف المجالات، خصوصاً أن الكويت، التي تملك الكثير من الإمكانات، بحاجة إلى الكثير من الإنجازات.
  • ضرورة مواكبة التحديات التي تواجه دول العالم قاطبة من جراء جوائح ثلاث: “كورونا”، والأزمة الأوكرانيّة، ومتفرّعاتها، والصراع المتجدد ما بين أنصار “القطب الواحد”،  والساعين الى عالم “متعدد الأقطاب”.

إن المتغيّرات الجيوسياسيّة الناشطة على مستوى الشرق الأوسط، وتحديداً في الخليج، تفرض على الكويت نوعين من التحديات:

الأول، لكي تبقى هانئة، آمنة، مستقرّة، عليها أن تواكب ما يجري في الجوار الإيراني ـ العراقي ـ الخليجي من متغيّرات أمنيّة، وسياسيّة، واقتصاديّة جديّة، وأن تهيئ لكل عروس لبوسها حتى لا تأخذها المفاجأة على حين غفلة، وهذا يتطلّب من الديمقراطيّة الكويتيّة أن تخرج بحكمة ودراية من عباءة الآباء المؤسسين، إلى واحات التحديث، والتطوير، لتحقيق التغيير.

الثاني، لا يمكن إنهاك الديموقراطيّة الفريدة في الخليج العربي، بالشعارات الشعبويّة، في حين أن الجار قد بدأ بإرسال الصواريخ إلى الفضاء الخارجي، وانطلق أفقيّاً وعموديّاً في بناء الأبراج العملاقة، والجنائن المعلّقة.

إن الحاجة، والضرورة تقضيان بتغيير المسار، وتصحيحه، من ضمن المؤسسات الدستوريّة، لكن عن طريق اتباع مسارات جديدة، وتبنّي أجندات مختلفة، وخارطة طريق مغايرة، إذ من غير الجائز، على سبيل المثال لا الحصر، أن يكون التغيير حكراً على بعض الخصوصيات المجتمعيّة، كما كانت حال “وثيقة القيم” التي طالبت بالعمل على تطبيق قانون منع الإختلاط، ورفض المهرجانات الهابطة، ومنع المسابح والنوادي المختلطة، وتفعيل قانون اللباس المحتشم، والعمل على وقف الإبتذال الأخلاقي، وتحريم الوشوم الظاهرة على الجسد… إلى ما هنالك من بنود أخرى واردة.

إن هذا النوع من المطالب، قد أدى الى نقاش عالي النبرة بين التيار المحافظ من جهة، والتيارات الليبراليّة والنسويّة من جهة أخرى، فيما غاب النقاش الجدّي حول أي إزدهار تريد الكويت؟ وأي بحبوحة؟ وأي بناء وإعمار؟ وأيّ حصان أبيض يفترض سرجه للّحاق بالقطار السريع الذي يجوب الخليج تاركاً خلفه حضارة، وثقافة، وإنماء وازدهاراً.

والمثير في الجدل الحاصل، أن الليبراليين يتهمون الآخرين بإستيراد هذه المطالب “إنها بضاعة مستوردة، وهي مرفوضة لاعتبارين: الأول، لأنها غير وطنيّة، من صناعة خارجيّة. والثاني، لأنها لا تتماشى مع ثقافة الكويت المنفتحة، وتتعارض وبعض أحكام الدستور، والقوانين المدنيّة المرعيّة الإجراء”.

يضاف الى ذلك، أن انتخابات تصحيح المسار حفّزت المواطن الفرد ـ ذكراً كان أم أنثى ـ على أن يمارس حريّة الإقبال على صناديق الاقتراع، وحرية اختيار الرجل المناسب للموقع المناسب، وحرية التعبير المحصّنة بالشفافيّة، والابتعاد عن الشعبويّة، أو المغريات الماديّة، والمعنويّة.

كان المطلوب تحرير الضمير، في استحقاق تقرير المصير.

وتأكيداً على الشفافيّة والنزاهة، استحدث قطاع الإعلام الخارجي، التابع لوزارة الإعلام، مركزاً إعلاميّاً مزوداً بأحدث التقنيات، وضع بتصرف وفد إعلامي كبير جاء من دول عربيّة، وآسيويّة، وغربية، لتغطية الإستحقاق الإنتخابي.

إن الكفاءة، والخبرة، وحسن التنظيم، وتوزيع المهام، والمسؤوليات، كانت عيّنة من سلوك عام، وتمايزات أخرى برع بها منتسبو الإعلام الخارجي، من زميلات، وزملاء، أمنوا بمهنية عالية حسن سير العمل، ليأتي الحدث الإعلامي متوّجاً للحدث الانتخابي.

ولم يغفل المركز الإعلامي التذكير بالثوابت الوطنيّة، والمفاصل التاريخيّة التي وضعت الدولة أمام تحديات مصيريّة وجوديّة، فاستحدث جناحاً خاص بالشهداء، معززّاً بكتب ومنشورات، ووثائق، بإشراف اختصاصيين نذروا أنفسهم لاستقبال الضيوف، وتزويدهم بالمعلومات، وسرد الخلفيات.

وتميز الفصل التشريعي ال17، بالهّمة الشبابية المؤمنة بالديمقراطيّة، والوثّابة نحو التغيير. كان للشباب غرفه الخاصة (الحجرة)، ولكل مرشّح حجرته الخلفية بديلاً عن الديوانيّة. وحلّ الكومبيوتر الحديث، والهاتف الذكي، وما أنتجته تكنولوجيا الإتصالات من صرعات حديثة، تركز على قوائم الأسماء، وجمعها، فيما المفاتيح الإنتخابيّة، كناية عن “قائد” للشباب يتابع مع كل فرد من المجموعة تقارير “المفاتيح” التي بحوزته، وعدد الأصوات “المضمونة” للمرشّح، وكيف أنها ارتفعت أو تراجعت بعد تصريح ما، أو ندوة قام بها المرشّح، وكيف يمكن فرز المؤكد من المحتمل.

إن الجيل الكويتي الجديد جيل تقني، واعد، وواع لمشكلات مجتمعه، ويتطلع إلى تحقيق هدفين: الاستقرار، والإصلاح، وهذا يتطلّب قيادة حكيمة لمجلس الأمة الجديد تتصف بالخبرة، والحياديّة، والبعد عن المزايدات، وعدم التدخل في الأعمال التنفيذيّة، وهي قد تكون القوّة المرجّحة للسير في الإصلاح الذي طال إنتظاره.