“الترسيم” على حدود الفراغ.. ماذا يُخّفي هوكشتاين؟

/محمد حمية/

لا يحتاج المحلل الى عناء التفكير والبحث في خبابا لقاءات عاموس هوكشتاين مع المسؤولين اللبنانيين، ليكتشف أن الوسيط الأميركي لم يحمل أي جديد في جعبته سوى “باقة أبر مورفين” استخدمها لتخدير الدولة لانتزاع موافقتها على تأجيل ترسيم الحدود البحرية الجنوبية الى تشرين الثاني المقبل ما يصب في المصلحة الأميركية – الاسرائيلية حصراً على حساب تثبيت لبنان حقوقه في حدوده وثروته النفطية والغازية واستثمارها في منع الانهيار القائم وعملية النهوض الاقتصادي في ظل أزمة طاقة تعصف بالعالم برمته.

واختلق هوكشتاين نقاط خلاف تقنية مستقبلية ووهمية غير آنية لكي يبرر أمرين:

* خلو وفاضه من مسودة حل نهائي لاتفاق على ترسيم الحدود.

* سفره للأراضي المحتلة وعودته الى بيروت خلال أسابيع قليلة للاستماع الى الرد اللبناني على الاستفسارات الاسرائيلية، وهذا سيستغرق زيارات مكوكية أخرى على خط بيروت ـ الأراضي المحتلة.

رمى الديبلوماسي الأميركي قنابل دخانية تمويهية لتضليل المسؤولين اللبنانيين وتنييمهم على حرير الوعود الكاذبة، بقوله “بلادي مهتمة بإنجاز ترسيم الحدود، وسأستكمل اللقاءات والمباحثات للتوصل الى حل”، وهذه العبارة كررها في زياراته السابقة ولم يتم التوصل الى حل على أرض الواقع.

لم تقدم زيارة الساعات الثلاث أي جديد على صعيد ملف الترسيم، سوى تأكيد المؤكد بحصول لبنان على الخط 23 وكامل حقل قانا، من دون تحديد موعد حاسم لتوقيع الترسيم، أو على الأقل العودة الى طاولة الناقورة، ولا ضمانات مكتوبة ببدء الشركات الأجنبية الاستخراج في الحقول اللبنانية.

بالغ الوسيط ببث الأجواء الايجابية عن أن الحل شبه منجز، وأن مسافات الخلاف تضيق ولم يعد هناك اي عقد جوهرية بل نقاط تقنية يجب توضيحها، وزيّل تفاؤله برسائل تهديد مبطنة، كإشارته الى خطورة الأوضاع الاقتصادية في لبنان، وضرورة البحث عن حل، والاستفادة من الثروة النفطية والغازية للنهوض، وانجاز الاستحقاقات الدستورية، ملمحاً بذلك الى أن لبنان سيبقى تحت خطر الانهيار والفراغ إذا لم ينجز ملف الترسيم.

تزامنت زيارة هوكشتاين، مع تعمّد وسائل اعلام العدو بث مناخ تفاؤلي، والحديث عن اقتراب الحل مع لبنان، وتوقع توقيع اتفاق الترسيم قبل الانتخابات الاسرائيلية، وتماهت مع الاجواء الايجابية التي عممها الوسيط الأميركي. لكن المعطيات الواردة من المقرات الرئاسية والمعنيين بالملف، جاءت بمعظمها معاكسة!

لكن اللافت أكثر ويثير الاستغراب أمران:

* توغل الاعلام الاسرائيلي بالشؤون الداخلية اللبنانية، والحديث عن تأجيل الترسيم الى ما بعد نهاية ولاية الرئيس ميشال عون.

* التوقيت المشبوه لتأجيل شركة انرجين لاستخرااج الغاز من كاريش الى مطلع تشرين الثاني، أي لما بعد نهاية العهد الرئاسي الحالي ووقوع الفراغ الرئاسي.

يظهر بشكل واضح الهدف الذي يخفيه وسيط الترسيم من أهداف في جعبته، بإيهام لبنان أن حقوقه محفوظة ونال الاعتراف الاسرائيلي بها، والمسائل الجوهرية حلت، لطمأنة لبنان، واختلاق نقاط خلاف تقنية لجر لبنان الى جولة مفاوضات جديدة عليها لتمرير الوقت حتى تشرين الأول المقبل، بهدف تعطيل عامل المقاومة أولاً، كون الأخيرة لن تقفز فوق الموقف الرسمي الذي يتعهد بالبقاء في دائرة التفاوض ونال ما يريد من وعود وضمانات، وثانياً احهاض أي امكانية لرئيس الجمهورية بتوقيع مرسوم تعديل الحدود البحرية 4633 وارساله الى الأمم المتحدة، ويبقى الاميركي يعطي لبنان “من طرف اللسان وعوداً ويروغ كما يروغ الثعلب”، ويغري لبنان بالترسيم البري لينام على حرير استعادة مزارع شبعا، الى أن يأتي الفراغ الرئاسي فينتقل الى الخط 2 برمي كرة مسؤولية تعذر توقيع اتفاق الترسيم على غياب رئيس جمهورية يوقع الاتفاقية وحكومة أصيلة تصدق عليها. وهذا هو المبرر الذي ينتظره الأميركي والاسرائيلي لتشريع استخراج الغاز من كاريش. وإلا لو وجدت نوايا الحل قبل تشرين الثاني، لكان الوسيط أقام في أحد فنادق بيروت وتنقل عبر بوابة الناقورة الى فلسطين المحتلة لتسريع وتيرة التفاوض والمباحثات، وأنجز مسودة حل تنتظر اللمسات الاخيرة من الجانبين قبل التوقيع. لكن زيارة الساعتين، والاعلان عن زيارات مقبلة خلال اسابيع، لا تسمن ولا تغني من جوع، و”ضحك عاللحى” كما يقول المثل الشعبي.

والواضح ايضاً أن هوكشتاين يحاول ربط الترسيم باستحقاق رئاسة الجمهورية والحكومة، وعند حلول الفراغ المزدوج مطلع تشرين الثاني، ويكون الانهيار والفوضى الاجتماعية والأمنية قد بلغ مداه، سيقبل لبنان بأي حل للرئاسة والترسيم معاً، لانقاذ نفسه من الانهيار الكبير.