/ جورج علم /
تمحورت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الى الجزائر حول هدفين:
الأول، الحصول على الغاز، كتعويض عن الغاز الروسي.
الثاني، عودة فرنسا إلى حدائقها العربيّة ـ الشرق أوسطيّة، ولبنان ضمناً.
إنطلاقاً من الهدف الأول، تعدّ الجزائر من أكثر دول العالم إنتاجاً وتصديراً للغاز. يكفي التذكير أنه في حزيران الماضي، أعلنت مجموعة “سوناطراك” للطاقة، الكشف عن احتياطات جديدة، تصل إلى 340 مليار متر مكعب، وهذا ما يزيد من أهميّة الجزائر، في ظل احتياج فرنسا الشديد لتوفير مصدر الطاقة كبديل عن الغاز الروسي.
وكان المتحدث بإسم الحكومة الفرنسيّة أوليفيه فيران، قد أعلن بعيد إنتهاء زيارة ماكرون، أن “إعلانات ستصدر قريباً” عن زيادة محتملة لشحنات الغاز الجزائري الى فرنسا.
وأفادت إذاعة “أوروبا ـ 1” بأن مفاوضات جارية حاليّاً بين مجموعة الطاقة الفرنسيّة “إنجي” ـ التي كانت رئيستها كاترين ماكغريفور من بين أفراد الوفد الرسمي المرافق لماكرون ـ ومسؤولين جزائرييّن، لرفع الزيادة إلى 50 بالمئة من الكميّات الحاليّة.
الهدف الثاني، تحدّث عنه “إعلان الجزائر من أجل شراكة متجددة”، والذي وقّعه الرئيس عبد المجيد تبون مع ضيفه الفرنسي، وتضمّن أكثر من إشارة حول الرغبة الفرنسيّة في العودة الى الأحضان الدافئة في الشرق الأوسط، في ظلّ “الإستقطاب الجديد” المعبّر عنه بالتحالفات الجيوسياسيّة ـ الاستراتيجيّة، التي تخضع لها دول المنطقة بعد الحرب الأوكرانيّة، والمحاور الجديدة ما بين الولايات المتحدة وأوروبا من جهة، وروسيا وإيران والصين من جهة أخرى.
وتضمن “إعلان الجزائر” رغبة البلدين “في إفتتاح حقبة جديدة”، وتبني “مقاربة ملموسة، وبناءة، ترتكز على المشاريع المستقبليّة والشباب”. كما اعتبر “أن الشراكة الجديدة المميّزة باتت مطلباً يمليه تصاعد التقلبات، وتفاقم التوترات الإقليميّة والدوليّة”.
ماذا عن لبنان؟
لا يقدّم الحديث الفرنسي مبادرات فاقعة بعناوينها، وتفاصيلها، بل مقاربات من النوع الذي تمليه المصالح في ظلّ المتغيرات التي دهمت دول العالم، من جائحة “كورونا”، إلى الحرب في أوكرانيا، إلى الحروب المفتوحة حول الطاقة، والغذاء، وتغيير المناخ، والإختلال في التوازن الإقتصادي، الإجتماعي، المعيشي.
إن البحث عن مصادر الطاقة، قد تحوّل إلى تنافس محموم على مستوى الدول المصدّرة، وتلك المستهلكة. وطبيعيّ جدّاً أن يكون لفرنسا اهتمام جدّي، وخاص بغاز لبنان، إنطلاقا من استراتيجيتها الجديدة القائمة على توفير البديل عن الغاز الروسي، لأسواقها أولاً، وللسوق الأوروبيّة. لذلك هناك تأكيد على اهتمام رفيع المستوى، ومتابعة يوميّة للمستجدات، والغوص في التفاصيل، نظراً لما لهذه “الثروة” المكتشفة من أبعاد ماليّة، واقتصاديّة، واستراتيجيّة مهمّة، لا يمكن لفرنسا المرور بها مرور الكرام، أو الوقوف عندها متفرّجة حول حقيقة ما يجري، خصوصاً أنها كانت المبادرة والمهتمّة بالإستثمار من خلال شركة “توتال” التي تولّت التنقيب في “الحقل 4″، رغم المنافسات الحادة بين مجموع الشركات العالميّة الأخرى، الطامحة.
إن الحرب ـ غير المسلّحة لغاية الآن ـ حول الطاقة، ومصادرها، تضع لبنان على قائمة الدول الجديرة بالإهتمام، في ظلّ الإستقطابات الدوليّة الناشطة في المنطقة.
ولا يغيب الإهتمام عن جوانب أخرى لا تزال نابضة في الوجدان الفرنسي، وتحظى بمتابعة واهتمام لدى فريق العمل الخاص بلبنان، ولدى الرئيس ماكرون تحديداً الذي يقود سياسة منفتحة، تهدف إلى عودة مقبولة، ومسلّم بها، لـ”الأم الحنون” إلى حضن هذا الجبل المستلقي على العروبة، والمنفتح بشاطئه على الغرب.
- عادت فرنسا عمليّاً من خلال العرض الذي قدّمه الرئيس ماكرون في السادس من آب، بعيد انفجار المرفأ. وفي الأول من أيلول، في قصر الصنوبر.
- عادت الى المرفأ، من خلال منطقة الحاويات.
- عادت من خلال الصندوق السعودي ـ الفرنسي، لدعم الطبقات الفقيرة.
- عادت من خلال حركة الموفدين التي لا تستكين، لمتابعة المستجدات.
- عادت من خلال خططها الماليّة ـ الاقتصاديّة التي تدرس، وتنسّق مع صندوق النقد الدولي، لتمريرها عبر المؤسسات اللبنانيّة الرسميّة، على أن تشكل بداية للإنطلاق نحو الإنقاذ.
… وبصراحة متناهية، كل هذا لا يشبع فضول شرائح لبنانية واسعة. هناك من يريد مبادرة صاعقة ببنودها، ووضوح مضامينها. هناك من يحلم بـ”دفرسوار” فرنسي يخترق الساحة اللبنانيّة، ويضبط حراكها، ويتصدّى للفوضى العارمة، والفساد المستشري، ويعيد تفعيل المؤسسات الرسميّة، ويسترجع لها هيبتها، ومهابتها، ويعيد الإنتظام العام إلى دورة الحياة الماليّة، والاقتصاديّة، والاجتماعيّة، والتربويّة، والاستشفائيّة.
ليس في الحديث الفرنسي، شيء من هذا على الإطلاق، بل مجرّد مقاربة عامة لواقع الحال اللبناني، ولموقع لبنان من واقع الحال العربي، والإقليمي ـ الشرق أوسطي.
مقاربة، محورها الآتي: فرنسا مهتمّة بلبنان، ولن تتخلّى عنه. إنها على تواصل مع الجميع، من الولايات المتحدة إلى الفاتيكان، ومن مصر، والسعوديّة الى إيران.
إنها مع الإصلاحات، سواء تلك التي طرحها الرئيس ماكرون مع الفعاليات في قصر الصنوبر، أو تلك التي يطالب بها صندوق النقد الدولي.
إنها مع الصيغة اللبنانية الحضاريّة، وضد التقسيم، والفدرلة، ومع الإصلاحات الدستوريّة التي لا بدّ منها، والتي كشفت الممارسة عوراتها، لكن في ظلّ تفاهم وطني جامع.
وأخيرا إنها مع الحوار، سواء صنع في لبنان، وبين المكونات اللبنانية، أو بين اللبنانييّن بمساعدة خارجيّة، وفرنسا ستكون جاهزة.. كصديق!













