يروي عمّ السيناتور الأميركي المنتخب عباس علوية تفاصيل نشأته في حيّ السلم، أحد الأحياء الأكثر فقراً وتهميشاً في ضواحي بيروت، وجذوره الجنوبية وارتباطه المستمر بلبنان، وتأثير عائلته والحروب الإسرائيلية في مسيرته السياسية وصولاً إلى مجلس شيوخ ميشيغن.
شكّل فوز عباس علوية بعضوية مجلس شيوخ ولاية ميشيغن الأميركية محطة بارزة في مسيرته السياسية، وأعاد تسليط الضوء على جذوره اللبنانية، وتحديداً نشأته في حيّ السلم بالضاحية الجنوبية لبيروت، وانتمائه إلى بلدة أرنون في جنوب لبنان. فالرجل الذي غادر لبنان طفلاً عام 1999، ووصل إلى منصب تشريعي في الولايات المتحدة، حافظ طوال السنوات الماضية على ارتباط وثيق بوطنه الأم وعائلته، وعاش محطات مرتبطة بالحروب الإسرائيلية على لبنان، من بقائه عالقاً في بنت جبيل خلال حرب تموز 2006، إلى تدمير منزل عائلته في أرنون خلال الحرب الأخيرة.
وبين هذه التجارب ونشاطه السياسي المعارض للحرب على غزة، تبرز جوانب من سيرته يروي تفاصيلها عمّه الدكتور محمد علوية، في حديث لـ”يورونيوز”، يكشف فيه عن خلفيته العائلية وعلاقته المستمرة بالجنوب، والعوامل التي يعتقد أنها أثّرت في توجهاته السياسية.
ارتباط بالوطن الأم رغم سنوات الاغتراب
لم تنقطع صلة علوية، البالغ من العمر 35 عاماً، بلبنان بعد انتقاله إلى الولايات المتحدة، إذ واظب على زيارة عائلته وبلدته أرنون، رغم انشغاله بالدراسة والعمل السياسي.
ولم يكن فوزه في انتخابات مجلس شيوخ ميشيغن مفاجئاً للعائلة، بحسب عمّه، الذي يؤكد أنها كانت تتابع نشاطه منذ عهد الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، خصوصاً خلال الحرب على غزة. ويصف عباس بأنه متمكّن من العمل السياسي، مشيراً إلى أن انتخابه شكّل مصدر فرح كبير للعائلة وأبناء أرنون، الذين تابعوا مسيرته واحتفظوا بعلاقتهم به رغم إقامته في الولايات المتحدة.
جذور جنوبية ونشأة في أحزمة البؤس
قبل ميشيغن، كانت البداية في حيّ السلم، المنطقة الواقعة عند الأطراف الجنوبية لبيروت، والتي ارتبط تاريخها بالتحولات الاجتماعية والعمرانية التي شهدتها الضاحية، ولا سيما مع انتقال عائلات من الجنوب والبقاع ومناطق لبنانية أخرى إلى محيط العاصمة.
وقد شكّلت هذه المناطق جزءاً من ظاهرة أوسع عُرفت تاريخياً بـ”أحزمة البؤس”، في إشارة إلى التجمعات السكنية التي توسّعت على أطراف بيروت في ظل التفاوت الاقتصادي وضعف الخدمات والتخطيط العمراني. وفي هذا المحيط أمضى عباس سنوات طفولته الأولى، قبل أن تبدأ مرحلة جديدة من حياته في الولايات المتحدة.
ويؤكد الدكتور محمد علوية أن ابن شقيقه يعتزّ بنشأته في حيّ السلم، ولا يخفي هذا الجانب من سيرته. ويشير إلى أن اهتمامه بالشأن العام تأثّر أيضاً بالأجواء العائلية، ولا سيما بوالده الذي كان يحبّ العمل السياسي في لبنان ويتابع تطوراته.
وفي ميشيغن، حيث تقيم جالية لبنانية وعربية كبيرة، ولا سيما في مدينة ديربورن ومحيطها، أكمل عباس تعليمه، فالتحق بجامعة ميشيغن وحصل على شهادة جامعية عام 2014، ثم شهادة في الصحة العامة عام 2017.
وبعد تخرّجه، بدأ مسيرته المهنية والسياسية داخل مكاتب أعضاء في الكونغرس الأميركي، ومن بينها مكتب النائبة الديمقراطية كوري بوش، حيث شغل منصب رئيس الموظفين لديها. وأتاح له هذا العمل اكتساب خبرة في إدارة الملفات التشريعية والتعامل مع المؤسسات الحكومية، قبل أن ينتقل إلى نشاط أوسع في تنظيم الناخبين والحملات السياسية.
ولم يكن عباس الوحيد في العائلة الذي اتجه إلى العمل العام، إذ يشير عمّه إلى أن شقيقته تشغل أيضاً، منصباً في مكتب المدعي العام لولاية ميشيغن.
أرنون في حياة علوية… ارتباط لم تقطعه الهجرة
لم تكن عودة عباس إلى لبنان مرتبطة بالمناسبات العائلية وحدها. فبحسب عمّه، كان يزور لبنان كل ستة أشهر تقريباً، ويمضي نحو خمسة عشر يوماً، يلتقي خلالها أقاربه ويتنقّل بين المناطق التي ترتبط بها العائلة.
وفي أرنون، زرع عباس شجرة أرز، وكان يتفقّدها كلما عاد إلى البلدة. ويتوقف الدكتور محمد علوية عند هذا التفصيل تحديداً، لأنه ارتبط بواحدة من الصور التي وصلت إلى العائلة خلال الحرب الأخيرة على لبنان.

ففي الوقت الذي كانت فيه العمليات العسكرية الإسرائيلية تطال مناطق جنوبية واسعة، تعرّض منزل العائلة المشترك في أرنون للتجريف، ودُمّرت منازل أخرى. ثم وصلت إلى الأقارب صور تُظهر دبابة إسرائيلية تعلو الأرزة التي زرعها عباس.
ويقول عمّه إن هذه الصور سبّبت لهم “قهراً كبيراً”، ليس فقط بسبب الدمار الذي لحق بممتلكات العائلة، بل أيضاً لأن تلك الأرزة كانت مرتبطة بعباس شخصياً، وبحرصه على العودة إلى البلدة وتفقّدها في كل زيارة.
وكان عباس يتابع من الولايات المتحدة أخبار أقاربه وأوضاعهم خلال الحرب، إذ يكشف عمّه أنه بقي على تواصل شبه يومي مع العائلة للاطمئنان إلى سلامتها، كما قدّم المساعدة لعدد من أقاربه وأصدقائه المتضررين.
ويضيف أنه كان قد زار لبنان قبل اندلاع الحرب بنحو شهرين، في واحدة من الزيارات التي حافظ عليها رغم انشغالاته المهنية والسياسية في أميركا.
حروب الجنوب وأثرها في مسيرته السياسية
لم تكن الحرب الأخيرة التجربة الأولى التي عاش عباس علوية بعض تداعياتها بصورة مباشرة. ففي صيف عام 2006، كان في زيارة إلى لبنان، وتوجّه إلى بنت جبيل للقاء أقاربه، قبل أن تندلع حرب تموز ويجد نفسه عالقاً هناك.
ويروي عمّه أن عباس بقي في المنطقة نحو أربعة عشر يوماً، وسط ظروف الحرب، قبل أن يتمكّن من المغادرة والعودة إلى الولايات المتحدة.
كان عباس يومها في سن المراهقة، وقد أمضى سنوات من حياته في أميركا، إلا أن زيارته إلى لبنان وضعته مباشرة أمام ظروف الحرب. وبعد نحو عقدين، كانت عائلته تواجه حرباً أخرى في الجنوب، وهذه المرة مع خسارة المنزل العائلي في أرنون وتضرّر أملاك أخرى.
هذه الوقائع يستعيدها الدكتور محمد علوية عند الحديث عن اندفاع ابن شقيقه إلى النشاط السياسي، وخصوصاً مواقفه من الحروب في المنطقة. وهو يرى أن “تجارب العائلة وما شهدته من أحداث أسهمت في تكوين نظرته إلى قضايا الظلم والاضطهاد” وفق تعبيره، وإن كانت مسيرته السياسية قد تطورت لاحقاً ضمن ظروف المجتمع الأميركي ومؤسساته.
غزة ووعود ترامب.. محطات في صعوده السياسي
برز اسم عباس علوية على نطاق أوسع في الولايات المتحدة خلال الحرب على غزة، بعدما شارك في التحركات المناهضة للحرب، وظهر في التظاهرات مرتدياً الكوفية الفلسطينية، قبل أن يساهم في تأسيس حركة “غير ملتزم” التي نشطت خلال الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2024.
اعتمدت الحركة على حشد ناخبين، ولا سيما من داخل القاعدة الديمقراطية، للاعتراض على سياسة إدارة بايدن تجاه إسرائيل والحرب على غزة. وقد مثّلت إحدى صور الخلاف الذي برز بين قطاعات من الناخبين العرب الأميركيين وقيادة الحزب الديمقراطي، في ولاية تُعدّ أصوات الجاليات العربية فيها جزءاً من المشهد الانتخابي.
ولم يقتصر دور علوية على المشاركة في التظاهرات، بل انخرط في تنظيم الناخبين والعمل السياسي المرتبط بالحركة، مستفيداً من خبرته السابقة في المؤسسات الأميركية.
في هذا السياق، يربط عمّه بين نشاط عباس وبين المواقف التي عبّر عنها تجاه الحروب والسياسة الأميركية في الشرق الأوسط. ويتحدث عن تأثير الشعور بالمظلومية في دفعه إلى التحرّك، منتقداً في الوقت نفسه ما يصفه بالوعود الكاذبة التي أطلقها الرئيس دونالد ترامب قبل الانتخابات الأميركية.
ويعتبر الدكتور محمد علوية أن الوعود التي لم تتحقق، واستمرار الحروب وما رافقها من معاناة، دفعت أشخاصاً متأثرين بهذه القضايا إلى البحث عن وسائل للتغيير من داخل الحياة السياسية الأمريكية.
ويقول إن “عباس كان يحمل شعوراً عميقاً بالمظلومية”، ويرى أن ذلك شكّل أحد دوافع نشاطه، إلى جانب الخبرة التي اكتسبها في العمل السياسي وتنظيم الحملات.
من العمل داخل المؤسسات الأميركية إلى السلطة التشريعية
بعد تجربته في حركة “غير ملتزم”، انتقل عباس علوية إلى خوض الانتخابات التشريعية المحلية في ميشيغن، مرشحاً عن الحزب الديمقراطي لمجلس شيوخ الولاية.
وفي الثالث من تشرين الثاني 2026، فاز بمقعد الدائرة الثانية، متقدماً على منافسه الجمهوري هاري سوايكي، ليبدأ مرحلة جديدة من عمله السياسي، هذه المرة من داخل السلطة التشريعية للولاية.
ويختلف هذا الموقع عن عضوية مجلس الشيوخ الأميركي في واشنطن، إذ يختص مجلس شيوخ ميشيغن بالتشريعات والقضايا الواقعة ضمن صلاحيات الولاية، ومنها الموازنة والتعليم والصحة والإسكان والنقل والخدمات العامة.
وخلال حملته، قدّم علوية برنامجاً ركّز على القضايا المعيشية والاجتماعية، ولا سيما دعم الأسر العاملة، وخفض تكاليف الرعاية الصحية، وتوسيع فرص الحصول على مساكن بأسعار ميسّرة، وتحسين النقل العام والبنية التحتية، والاستثمار في التعليم وحماية البيئة والحقوق المدنية.
كما أعلن رفضه تلقي مساهمات انتخابية من الشركات، واضعاً الحدّ من نفوذ المال والمصالح التجارية في السياسة ضمن أولوياته.
وتقوم تجربته على الجمع بين مسارين: العمل السابق داخل المؤسسات الحكومية والتشريعية، والنشاط الميداني في تنظيم الناخبين وحشدهم. وهو يسعى إلى الاستفادة من هاتين الخبرتين في تمثيل سكان دائرته، الذين ينتمون إلى خلفيات اجتماعية وثقافية مختلفة، ولا يقتصرون على الناخبين العرب أو المسلمين.
ويأتي انتخابه بعد مرحلة شهدت تبدّلات في علاقة جزء من الناخبين العرب الأميركيين بالحزب الديمقراطي، خصوصاً على خلفية الحرب على غزة والانتخابات الرئاسية لعام 2024. ومع ذلك، فإن انتقاله إلى مجلس شيوخ ولاية ميشيغن يضعه أمام ملفات محلية تختلف عن القضايا الخارجية التي ساهمت في بروزه سياسياً.
فوز يتجاوز العائلة.. وآمال معلّقة على الأجيال الجديدة
في اليوم الذي أعقب إعلان النتائج، تلقّى الدكتور محمد علوية اتصالاً من ابن شقيقه، الذي كان سعيداً بالتفاعل مع فوزه في لبنان.
ويقول العم إن عباس عبّر عن فرحته بالاهتمام الذي حظي به انتخابه بين أفراد العائلة وأبناء بلدته، مشيراً إلى أن الجميع كانوا يتابعون النتائج ويترقبون ما ستسفر عنه.
بالنسبة إلى العائلة، لا ينفصل هذا الحدث عن السنوات التي سبقت وصوله إلى مجلس شيوخ ميشيغن، منذ مغادرته حيّ السلم طفلاً، مروراً بزياراته المتكررة إلى أرنون، وتجربته خلال حرب تموز، وصولاً إلى نشاطه السياسي في الولايات المتحدة.
ولا ينظر الدكتور محمد علوية إلى فوز ابن شقيقه بوصفه نجاحاً فردياً فحسب، بل يجد فيه مناسبة لطرح سؤال يتكرر لدى كثير من العائلات اللبنانية: “لماذا ينجح أبناء البلد في الخارج، فيما تضيق أمامهم الفرص في وطنهم؟” ومن هنا، يأمل أن يشكّل انتخاب عباس حافزاً للشباب اللبناني، وأن يتمكّن لبنان من توفير الظروف التي تسمح لأصحاب الكفاءات بتحقيق طموحاتهم من دون الاضطرار إلى الهجرة كما يقول.
كما يتمنى أن يشهد لبنان حركات إصلاحية تواجه ما يصفه بالكراهية والتسلّط والهيمنة، وتفتح المجال أمام مشاركة أوسع في الحياة العامة.
أما عباس علوية، فتنتظره اليوم مسؤوليات جديدة في مجلس شيوخ ميشيغن، حيث سيُختبر أداؤه من خلال قدرته على تحويل برنامجه الانتخابي إلى خطوات تشريعية ملموسة. وفي المقابل، يبقى ارتباطه بلبنان حاضراً في تفاصيل حياته العائلية، وفي اهتمامه المستمر بأهله وبلدته الجنوبية، على الرغم من المسافة التي تفصل بين أرنون والولاية الأميركية التي بات أحدَ ممثليها المنتخبين.


