أحدث إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقف المساعدات الأمنية لكيان الاحتلال الإسرائيلي بنهاية العام الجاري، صدمة لدى المؤسستين الأمنية والمالية في تل أبيب، وأثار مخاوف من اضطرار الخزانة الإسرائيلية إلى تحمل أعباء إضافية بمليارات الدولارات سنوياً لتعويض تلك المساعدات.
وكان الرئيس ترامب قد أعلن أن بلاده ستوقف تقديم المساعدات المالية لـ”إسرائيل” بحلول نهاية العام الجاري، والتي تبلغ نحو 4 مليارات دولار سنويا، بموجب اتفاق قال إنه توصل إليه مع رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبل أشهر.
ونقلت “هيئة البث الإسرائيلية” الرسمية عن مسؤول رفيع بالمؤسسة الأمنية قوله: “لم نتوقع هذا الإعلان، وبالتأكيد ليس اليوم. هناك حوار مستمر مع الأميركيين، ويمكن القول إننا فوجئنا. سندرس تداعيات القرار الذي لم يصل بعد إلى الجهات المهنية المختصة”.
وقالت “الهيئة” إن وزارة الحرب الإسرائيلية ستخسر نحو 12 مليار شيكل سنوياً (الدولار يساوي نحو 3 شواكل) جراء وقف المساعدات، ما يعني اضطرار الخزانة الإسرائيلية إلى تعويض هذا المبلغ من أموال دافعي الضرائب.
مساعدات منذ 1948
ووفق ورقة لمجلس العلاقات الخارجية الأميركي (معهد بحثي مستقل)، صدرت في تشرين الأول/ أكتوبر 2025، تتجاوز المساعدات الاقتصادية والعسكرية الأميركية لـ”إسرائيل” منذ اغتصاب فلسطين سنة 1948 نحو 300 مليار دولار، بعد تعديل الأرقام وفقاً لمعدلات التضخم.
وأشار المجلس إلى أن “إسرائيل” تعد أكبر متلقٍ تراكمي للمساعدات الخارجية الأميركية منذ قيامها، موضحاً أنها تلقت مساعدات اقتصادية ضخمة بين عامي 1971 و2007، فيما تذهب معظم المساعدات الأميركية اليوم لدعم جيش الاحتلال الإسرائيلي.
وفي ورقة تفصيلية أصدرتها في نيسان/ أبريل 2025، أوردت وزارة الخارجية الأميركية أن قيمة المساعدات الثنائية المقدمة لـ”إسرائيل” منذ عام 1948 تجاوزت 130 مليار دولار.
ويختلف نطاق الوصف وطريقة عرض الأرقام بين المصدرين، إذ يورد المجلس إجمالياً معدلاً وفق التضخم، ما يستدعي مراعاة أساس الحساب والفترة التي تغطيها البيانات عند المقارنة.
وقالت الخارجية الأميركية إن “الدعم الراسخ لأمن إسرائيل ركيزة أساسية في السياسة الخارجية الأميركية، وتبنته جميع الإدارات الأميركية المتعاقبة منذ عهد الرئيس هاري ترومان”.
وذكرت أن المساعدات “ركزت على مواجهة التهديدات الأمنية الجديدة والمعقدة، وسد الفجوات في القدرات الإسرائيلية من خلال المساعدات والتعاون الأمني، وتعزيز التوافق العملياتي عبر التدريبات المشتركة، ودعم حفاظ إسرائيل على تفوقها العسكري النوعي”.
دعم عسكري مباشر
ويشير مجلس العلاقات الخارجية في ورقته إلى أنه “على مدى عقود، استخدمت إسرائيل أسلحة أميركية الصنع ضد خصومها، بمن فيهم حركة حماس وحزب الله وإيران. كما تلقت شحنات أسلحة عاجلة من مخزون استراتيجي تحتفظ به الولايات المتحدة داخل إسرائيل منذ ثمانينيات القرن الماضي”.
ووفق الورقة الصادرة في تشرين الأول/ أكتوبر 2025، أقرت واشنطن، منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، تشريعات وفرت 16.3 مليار دولار على الأقل كمساعدات عسكرية مباشرة لـ”إسرائيل”.
وجرى التصديق على هذه المساعدات عبر ثلاثة تشريعات شملت 8.7 مليار دولار في نيسان/ أبريل 2024، ومخصصات لعامي 2024 و2025 بواقع 3.8 مليار دولار سنوياً، وخُصص من إجمالي هذا الدعم 6.7 مليار دولار لأنظمة الدفاع الصاروخي، وفق المجلس.
مذكرة حتى 2028
وبحسب وزارة الخارجية الأميركية، تُعد “إسرائيل” المتلقي الأول عالمياً للمساعدات الأمنية الأميركية، وقد أُضفي الطابع الرسمي على هذا الدعم عبر مذكرة تفاهم تمتد لعشر سنوات (2019-2028).
وبموجب المذكرة، تقدم الولايات المتحدة سنوياً 3.8 مليار دولار، منها 3.3 مليار دولار في إطار برنامج التمويل العسكري الأجنبي (FMF)، و500 مليون دولار مخصصة لبرامج التعاون في مجال الدفاع الصاروخي.
وبذلك، يأتي الموعد الذي أعلنه ترامب لوقف المساعدات، بنهاية العام الجاري، قبل موعد انتهاء مذكرة التفاهم الحالية في عام 2028.
ومنذ السنة المالية 2009، قدمت الولايات المتحدة لـ”إسرائيل” 3.4 مليار دولار لتمويل الدفاع الصاروخي، منها 1.3 مليار دولار لدعم منظومة “القبة الحديدية” بدءاً من السنة المالية 2011.
ومن خلال برنامج التمويل العسكري الأجنبي، تتيح الولايات المتحدة لـ”إسرائيل” الحصول على أكثر المعدات العسكرية تطوراً في العالم، بما في ذلك طائرات “إف-35”.
وتتمتع “إسرائيل” بأهلية الحصول على تمويل التدفق النقدي، كما أنها مخولة باستخدام مخصصاتها السنوية ضمن البرنامج لشراء معدات دفاعية وخدمات وتدريبات، من خلال نظام المبيعات العسكرية الأجنبية (FMS)، أو اتفاقيات العقود التجارية المباشرة (DCS)، أو آلية المشتريات خارج الولايات المتحدة (OSP).
وتسمح مذكرة التفاهم الحالية لـ”إسرائيل”، عبر الآلية الأخيرة، بإنفاق جزء من مخصصاتها لشراء معدات دفاعية ذات منشأ إسرائيلي بدلاً من تلك ذات المنشأ الأميركي، وبلغت هذه النسبة 25 بالمئة في السنة المالية 2019.
751 صفقة عسكرية
وتشير ورقة وزارة الخارجية الأميركية الصادرة في نيسان/ أبريل 2025 إلى أن عدد صفقات المبيعات العسكرية الأجنبية القائمة بين البلدين بلغ آنذاك 751 صفقة، بقيمة إجمالية قدرها 39.2 مليار دولار.
وشملت الصفقات التي أُخطر بها الكونغرس مقاتلات “إف-35″، ومروحيات النقل “CH-53K”، وطائرات التزود بالوقود “KC-46A”، والذخائر الموجهة بدقة.
وإلى جانب ذلك، وافقت واشنطن بين عامي 2018 و2022 على تصدير دائم لمعدات دفاعية بقيمة تجاوزت 12.2 مليار دولار عبر “المبيعات التجارية المباشرة”، تضمنت محركات توربينية، ومركبات إطلاق، وصواريخ موجهة، وصواريخ باليستية، وقذائف صاروخية، وطوربيدات، وقنابل، وألغاما، بالإضافة إلى طائرات.
وبالإضافة إلى المساعدات الأمنية ومبيعات الأسلحة، تشارك الولايات المتحدة في أنشطة عسكرية مع “إسرائيل” تشمل تدريبات وأبحاثاً مشتركة وتطوير الأسلحة.
ووقعت أميركا و”إسرائيل” اتفاقيات تعاون دفاعي ثنائية، بينها اتفاقية المساعدة الدفاعية المتبادلة (1952)، والاتفاقية العامة لأمن المعلومات (1991)، واتفاقية الدعم اللوجستي المتبادل (1991)، واتفاقية وضع القوات (1994).
وأفادت الخارجية الأميركية بأنه منذ عام 1983، تعقد أميركا و”إسرائيل” اجتماعات دورية من خلال المجموعة السياسية العسكرية المشتركة، لتعزيز السياسات المشتركة، ومعالجة التهديدات والمخاوف المتبادلة، وتحديد مجالات جديدة للتعاون الأمني.
تحذيرات إسرائيلية
والثلاثاء، قالت صحيفة “يديعوت أحرونوت” إن أميركا و”إسرائيل” كانا يتفاوضان على اتفاقية تعاون جديدة لتحل محل مذكرة التفاهم الحالية، مع توقعات بأن يتركز التمويل على الأبحاث والتطوير في مجال الدفاع المشترك، قبل إعلان ترامب وقف المساعدات بنهاية العام.
ولفتت إلى أن المساعدات الأميركية لـ”إسرائيل” باتت مثيرة للجدل بشكل متزايد في السنوات الأخيرة؛ إذ دعا الديمقراطيون التقدميون إلى خفضها، كما يعارض بعض أعضاء الحزب الجمهوري إنفاق أموال دافعي الضرائب لتمويل دول أجنبية.
وأضافت: “بإمكان ترامب الآن تقديم هذه الخطوة للناخبين على أنها خفض لمليارات الدولارات من الإنفاق الخارجي، في حين يمكن لنتنياهو تصوير هذا التحول على أنه ابتعاد عن الاعتماد على الولايات المتحدة، واتجاه نحو تعزيز الاستقلالية الدفاعية لإسرائيل”.
واستدركت: “ومع ذلك، حذّر مسؤولون اقتصاديون إسرائيليون كبار من أن العواقب قد تكون وخيمة إذا ما نُفذ ما أعلنه ترامب”.
ونقلت عن مسؤول لم تسمه: “إذا كان تصريح ترامب صحيحاً، فهذا قرار بالغ الخطورة على الاقتصاد الإسرائيلي؛ فالتخلي عن عامين من المساعدات الأميركية يعني فعليا خسارة 8 مليارات دولار. من أين لنا أن نحصل على هذا المبلغ؟ من الواضح أن ذلك سيتم عبر فرض ضرائب على المواطنين”.
ونقلت عن مسؤول اقتصادي بارز آخر، لم تسمه، تعبيره عن غضبه، مشيراً إلى أن الإدارات الديمقراطية، رغم ما يراه البعض من أنها أقل دعماً لـ”إسرائيل”، قدمت مساعدات سخية، في حين يسعى ترامب والجمهوريون الآن إلى إلغائها.
وبحسب الصحيفة، رأى المسؤول ذاته أن إعلان ترامب، الذي تزامن مع إدلاء الأميركيين بأصواتهم في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، لم يكن في جوهره سوى مناورة انتخابية.
وفي السياق ذاته، قالت صحيفة “هآرتس”: “بينما كان الأميركيون يتوجهون إلى صناديق الاقتراع لانتخاب أعضاء الكونغرس الذين سيحددون أجندة العامين الأخيرين من ولاية ترامب، صرّح الأخير بأنه اتفق مع نتنياهو، قبل أشهر على موعد لإنهاء الدعم المالي”.
وأضافت: “ربما كان ترامب يوجه حديثه إلى الجمهوريين الذين باتوا أكثر حذراً بشأن العلاقات الأميركية الإسرائيلية، لا سيما بعد دخولهما في مواجهة مع إيران”.


