| خضر طالب |
لا يمكن التعامل مع كلام المرشد الأعلى في إيران مجتبى خامنئي، في اجتماعه مع كبار قادة القوات المسلّحة الإيرانية، على أنه مجرد توجيهات عسكرية روتينية. فكلام خامنئي يحمل مجموعة رسائل تتجاوز المؤسسة العسكرية إلى الداخل الإيراني، والولايات المتحدة، ودول المنطقة، والقوى الحليفة لطهران. والأهم أنه يتزامن مع تقاطع التحركات الدبلوماسية الإقليمية مع مؤشرات الاستعداد لاحتمال تجدد المواجهة.
تأتي “رسائل” المرشد الأعلى بين توقيتين: الانتخابات الإسرائيلية التي انتهت بتحول الأحزاب العربية فيها إلى الصوت المرجّح الذي يغيّر العادلات السابقة التي كانت سائدة في كيان الاحتلال. والانتخابات النصفية في الولايات المتحدة الأميركية، التي يواجه فيها الحزب الجمهوري تحدياً كبيراً في ظل ترجيح خسارته الكونغرس واحتمال خسارته مجلس الشيوخ، بسبب سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
كما أن هذه الرسائل تأتي مع تزايد التقارير الاستخباراتية التي تشير إلى احتمال قيام إدارة ترامب بالتخطيط لضربات جديدة ضد إيران فور انتهاء التصويت في الانتخابات النصفية. ولذلك فإن المرشد الأعلى يحاول استباق ذلك برفع كلفة القرار العسكري أمام صانع القرار في واشنطن وتل أبيب.
وتكتسب المناسبة دلالة إضافية في كونها المرة الأولى التي يُعلن فيها عن اجتماع لخامنئي مع عدد من كبار قادة القوات المسلحة في إطار واحد بصفته “القائد الأعلى للقوات المسلّحة”، وفي اعتماد هذه الصفة أيضاً دلالات إضافية. فمنذ توليه منصب المرشد، اقتصرت اللقاءات التي أُعلن عنها على اجتماعات منفصلة، أبرزها مع الرئيس مسعود بزشكيان، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي، إلى جانب مسؤولين آخرين. أما الاجتماع العسكري الأخير، فيقدّم صورة مختلفة للمرشد، باعتباره حاضراً في صلب المؤسسة العسكرية ومتابعاً لتفاصيل استعداداتها.
في مضمون كلام خامنئي، تبدو الرسالة العسكرية واضحة: إيران لا تعتبر أن المواجهة انتهت، ولا تريد أن تكون أي هدنة أو توقف للعمليات مدخلاً لفرض شروط عليها أو لتقييد قدرتها على الرد.
الحديث عن مواجهة أي تهديد برد فوري وفاعل “من دون قيود جغرافية”، وعن تحديث “بنك الأهداف” ليشمل الأصول المادية وغير المادية للولايات المتحدة و”إسرائيل”، يوسّع نطاق التهديد، ويترك متعمداً مساحة واسعة للتأويل بشأن طبيعة الأهداف ومواقعها. ويبدو أن خامنئي يلوّح بأن طهران لم تعد تقبل حصر الرد في ساحة المواجهة المباشرة، أو في نطاق جغرافي محدد. وبمعنى آخر، تريد إيران الاحتفاظ بحق الرد في المكان الذي ترى فيه أن مصالحها أو أمنها تعرضا للتهديد.
ويفتح كلام خامنئي عن تحديث “بنك الأهداف”، بحيث يشمل “مختلف أنواع الأصول المادية وغير المادية” الأميركية والإسرائيلية،الباب على توسيع مفهوم من الأهداف العسكرية التقليدية إلى نطاق قد يشمل، بحسب التعريف الإيراني، منشآت اقتصادية وتقنية ومالية وشبكات وبنى تحتية. فهل قرّرت إيران الرد خارج منطقة الخليج، أم أنها قرّرت استهداف الشركات الأميركية في الخليج؟ وفي الاحتمال الثاني، فإن ذلك يعني أن الشركات الأميركية المختلفة في دول الخليج ستكون ضمن بنك الأهداف الجديد، خصوصاً أن خامنئي حدّد “الأصول المادية وغير المادية”، ما يعني أن هناك أهدافاً “غير تقليدية” تندرج تحت تصنيف “غير المادية”.
وفي رسائل خامنئي، تغيير في الاستراتيجية السياسية والعسكرية. فمنذ العدوان الإسرائيلي بغطاء أميركي على إيران، في حزيران 2025 (حرب الـ12 يوماً)، كان وقف الحرب بقرار أميركي يوقف إطلاق النار من دون تسوية.
وبعد ذلك، عندما دخلت أميركا كطرف مباشر في الحرب إلى جانب “إسرائيل”، كان يحصل وقف إطلاق النار بقرار أميركي أيضاً، باستثناء محطة مذكرة التفاهم في إسلام آباد.
في كلام خامنئي معادلة جديدة: إيران هي التي ستحدّد زمان انتهاء الحرب. ويؤكد أن طهران تريد أن تكون طرفاً مقرراً في شروط إنهائها، لا مجرد طرف ينتظر وقف الهجمات. بمعنى أن إيران لن تقبل بحالة “لا حرب ولا سلم”.
لكن ما يستحق التوقف عنده أيضاً هو أن خامنئي لا يكتفي برفع مستوى الجاهزية القتالية، بل يتحدث عن تعزيز الاستخبارات العسكرية، وتطوير القدرات الدفاعية المستقلة، وزيادة إنتاج الذخائر والأسلحة، وتأمين الاحتياجات المعيشية للقوات المسلحة. وهذه ليست مفردات استنفار عابر بقدر ما تعكس توجهاً نحو بناء قدرة على الصمود في مواجهة طويلة. كما أن استحضار تجربة الحرب العراقية ـ الإيرانية، وربط الحضور الشعبي في الساحات خلال الأشهر الثمانية الماضية بسنوات “الدفاع المقدس”، يوحي بأن القيادة الإيرانية تحاول إعداد الداخل نفسياً وسياسياً لاحتمال استمرار الضغوط والمواجهة.
ومع ذلك، لا يعني الاستعداد لحرب طويلة أن طهران اتخذت قراراً باستئنافها. فقد يكون رفع سقف التهديد جزءاً من استراتيجية ردع تهدف إلى منع خصومها من العودة إلى العمليات العسكرية، أو تحسين شروط التفاوض. لكن غياب الإشارات الواضحة إلى تسوية سياسية، مقابل الإسهاب في الحديث عن الجاهزية وبنك الأهداف والرد المفتوح جغرافياً، يجعل احتمالات التصعيد حاضرة بقوة في الحسابات الإيرانية.
في رسائل خامنئي أيضاً، ما يمكن اعتباره “وقفة وفاء” لحلفاء إيران الذين دفعوا أثماناً باهظة، وذلك على الرغم من تراجع قوتهم وتأثيرهم وتقطّع الجغرافيا بينهم. لكنه تجاوز الإطار العاطفي للعلاقة مع هؤلاء الحلفاء، وذهب إلى تكريس هذا التحالف ضمن إطار “وحدة الساحات”التي يعتبر أنها متغير حاسم في رسم ملامح النظام السياسي والأمني الجديد في غربي آسيا، بل ويرسّخ “وحدة الساحات” باعتبارها جزءاً من منظومة الردع الإقليمية.
صحيح أن التمسك بـ”وحدة الساحات”، يأتي في وقت تبدلت فيه ظروف هذه الساحات بصورة كبيرة. فقد خسرت إيران الممر السوري الذي كان يشكل حلقة جغرافية وسياسية أساسية في اتصالها بحلفائها، وتعرض “حزب الله” لضربات قاسية طالت قيادته وبنيته العسكرية، فيما تحتفظ الفصائل العراقية والحوثيون بقدرات وأدوار مختلفة، لكل منها حساباته وظروفه المحلية. ولذلك، فإن إعادة إحياء التنسيق بين هذه القوى لا تعني بالضرورة استعادة مستوى الترابط والقدرة العملياتية الذي كان قائماً في مراحل سابقة، لكنها تعني بالتأكيد أن إيران لا تتخلّى عن حلفائها، وأنها تراهن على تغييرات سياسية بعد انتهاء هذه الحرب يعيد لهؤلاء الحلفاء مواقعهم وأدوارهم.
وفي البعد الإقليمي، تبرز دعوة خامنئي إلى بناء نظام أمني في غرب آسيا تشارك فيه دول المنطقة، بعيداً عن الهيمنة الأميركية، وتزامن ذلك مع تحركات واتصالات مع السعودية وتركيا وباكستان، ومع تصاعد النقاش الخليجي حول مدى الاعتماد على الضمانات الأمنية الأميركية.
الأهم في الموضوع، أن خامنئي أعطى لهذه الدعوة بعداً دينياً إسلامياً، ووضع مشروع هذا النظام ضمن سردية تاريخية تحت عنوان “الحضارة الإسلامية الجديدة” يكسر عقدة الخوف من الآخر، وليس ضمن صراع على النفوذ والمصالح والحسابات والارتباطات الخارجية.
وهنا، تكشف رسائل خامنئي عن محاولة للجمع بين مسارين: بناء نظام أمني إقليمي يقلّص الحضور الأميركي، والإبقاء على شبكة ردع عابرة للحدود تستند إلى “وحدة الساحات”. وهي معادلة لم تتضح بعد حدود التوفيق بينها، خصوصاً أن مفهوم الأمن الذي تتبناه دول المنطقة قد لا يتطابق مع مفهوم “وحدة الساحات” الذي تريد طهران الاحتفاظ به.
وبينما تفتح الاتصالات الإقليمية نافذة لاحتمال التهدئة، توحي التوجيهات العسكرية بأن إيران تريد أن تدخل أي مسار تفاوضي وهي تحتفظ بكامل أدوات الضغط، ومستعدة لاحتمال العودة إلى الحرب.
وهكذا، لا يبدو أن طهران تحسم خيارها بين التسوية والمواجهة بقدر ما تحاول إبقاء الخيارين مفتوحين، مع إعداد مؤسساتها وجبهتها الداخلية لاحتمال أن تطول فترة الانتظار.


