| جورج علم |
دخلت إيران بقوة، وفي التوقيت الحساس، على الهندسة الأمنية التي تُعدّ للجنوب.
الخيارات مفتوحة ما دام “لبنان الساحة” ما زال أقوى من “لبنان الدولة”.
وإذا لم يعدّل مجلس الأمن الدولي قراره الرقم 2790، ويمدّد مهام قوات “اليونيفيل” لفترة إضافية اعتباراً من كانون الثاني المقبل، فإن ما يُعدّ للجنوب يحاكي أخطاراً ديموغرافية وجيوسياسية تمسّ جوهر لبنان، ورسالته، وديمومته.
لقد خلط “الديزل” الروسي إلى الولايات المتحدة أوراقاً كثيرة على الساحة الدولية، ووضع لبنان أمام شبكة جديدة من الكلمات المتقاطعة. ولم تعد أحجية الحل حكراً على الأميركي والإسرائيلي والأوروبي، بل باتت تحتاج إلى الروسي والإيراني، وربما الصيني في مرحلة لاحقة.
استفزّ “الديزل” الروسي أوروبا، التي أصرّت على انتداب “بعثة أمنية ـ مدنية” بمواصفات لا تزال قيد الدرس، لملء أي فراغ قد يحدثه انسحاب “اليونيفيل” مطلع العام المقبل.
و”البعثة الأوروبية” هذه استفزّت طهران، بعدما تقاطعت معلومات تفيد بأن دور البعثة معنيّ بـ”حصر السلاح”، ومساعدة الحكومة على وضع سائر القرارات التي صدرت تباعاً عن مجلس الوزراء موضع التنفيذ، خصوصاً تلك الهادفة إلى استعادة السيادة وقرار الحرب والسلم.
واستفزّ التحرك الإيراني بدوره الأوروبيين والأميركيين والإسرائيليين، بعد الاتصال الذي أجراه وزير الخارجية عباس عراقجي برئيس الجمهورية جوزاف عون، والزيارة المفاجئة لنائبه سعيد خطيب زاده. فحضر وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو إلى بيروت، وكذلك وزيرة الجيوش الفرنسية أليس روفو. في حين بادر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى الاتصال بالرئيس عون، أما وزير الحرب الإسرائيلي فهدّد بـ”عدوان تهجيري” واسع قد يشمل الضاحية الجنوبية.
وفي عودة إلى المربع الأول، قال لبنان ما يريده لتفادي الفراغ الأمني في الجنوب. لكن ما قاله “الآخرون” مختلف تماماً. ويبقى الأهون أن تنتصر إرادة دولية بنّاءة في مجلس الأمن، فيُمدَّد لقوات “اليونيفيل” قبل فوات الأوان. وإلا، فإن بيروت أمام معركة دبلوماسية شرسة حول من يملأ الفراغ، وبأي صلاحيات أمنية ومواصفات سياسية ـ اقتصادية، قد لا تقتصر على الجنوب، بل تظلّل كل لبنان.
ولم يأتِ الأميركي بأي موقف جديد بعد. ولا يزال يصرّ على إبعاد “اليونيفيل”، وأي قوة بديلة أخرى، ويريد أن ينتشر الجيش اللبناني على الحدود طبقاً لـ”اتفاق الإطار”، لكنه لم يعطِ الضمانات المطلوبة. وإن وعد بها، فهو لا ينفّذها. وإن أقدم على التنفيذ، يأخذ بعين الاعتبار مطالب “إسرائيل” ومصالحها، وهذا ما عقّد المسار، وأصبح “الاتفاق” بحاجة إلى “إطار” أوسع من الضمانات السيادية الموثوقة لوضعه موضع التنفيذ، مع التأكيد أن أياً منها لم يُترجم بعد على أرض الواقع، سوى منع قصف الضاحية الجنوبية لبيروت!
ويلتقي الإسرائيلي مع الأميركي على رفض بقاء “اليونيفيل”، لكنه يصرّ على معالجة الفراغ الأمني على طريقته، ووفق ما يتوافق مع استراتيجيته في المنطقة. وإذا كان لا بدّ من بديل لـ”اليونيفيل” في الجنوب، بقدرة قادر، فإنه يريد أن يحدّد هوية الدول المشاركة، وعديد القوة، وصلاحياتها، والدور الذي سيُسند إليها، مع سائر التفاصيل اللوجستية الأخرى التي لا تستفزّ تل أبيب، وتتلاقى أو تتكامل مع أهدافها المرسومة لمستقبل الجنوب، و”لبنان الجديد”!
أما الأوروبي، فحريص على الدور والحضور. مصالحه الواسعة في الشرق الأوسط تحتم عليه تعزيز حضوره على الشرفة اللبنانية المطلة على سائر دول المنطقة. يريد أن يشكّل نبضاً في الشرايين اللبنانية الأمنية والسياسية والاقتصادية. عينه على مرفأ طرابلس، بعدما فاز بحصة وازنة في مرفأ بيروت. وعينه على مطار القليعات ومفاعيله الاقتصادية والاستراتيجية، وهو القريب من الساحل السوري. وعينه على شراكة فاعلة في معالجة سائر القطاعات الحيوية، بدءاً بالقطاع المصرفي، مروراً بالقضاء، وصولاً إلى سائر ما تحتاج إليه العمارة اللبنانية من ترميم وإصلاحات لا بدّ منها.
لقد قام الأوروبي بمبادرة، وقدّم اقتراحاً بإنشاء “بعثة مدنية ـ أمنية”. ولا يزال عرضه قيد التفعيل. فتح حواراً مباشراً مع الولايات المتحدة للحصول على تأشيرة للدخول، وآخر مع تل أبيب لرفع الحواجز وإزالة العوائق المعرقلة، والتفاهم حول الهندسات والمواصفات والمهام ومدى حدود الالتزام. وثالثاً مع الحكومة اللبنانية حول أهداف وأبعاد ما تريده من العرض الجديد.
كان القلق الأوروبي مصوّباً سهمه باتجاه روسيا، نظراً إلى الأفق المسدود بين موسكو وبروكسل حول القضية الأوكرانية. وفجأة، ظهرت أمامه طهران في منتصف الدائرة، كمحور لا يمكن تجاهله، ويملك القدرة على استخدام حق النقض “الفيتو” ضد أي عرض يتناقض مع مصالحها.
علاقة طهران بدول الاتحاد الأوروبي متوترة، ونهر العقوبات يزداد منسوبه بشكل تصاعدي. وعلاقاتها مع الولايات المتحدة و”إسرائيل” محكومة بحرب مفتوحة وتهديدات واستعدادات لجولات تزيد من قتامة الأفق المظلم. وما حمله الدبلوماسي سعيد خطيب زاده إلى بيروت يكفي لتصليب الموقف المقاوم، فالجنوب، من منظاره، في قلب المحور. والسجادة الأمنية التي تُحاك لتلافي الفراغ يجب أن تكون بمواصفات أصفهانية ـ إيرانية. و”اتفاق الإطار” لا يمكن أن يكون بديلاً عن “مذكرة التفاهم” مع الولايات المتحدة. والحلول الدبلوماسية لا يمكن أن تمرّ فوق مصالح “الثنائي الشيعي”.
لقد دخل الموفد الإيراني “البيت ـ الثنائي” من أبوابه العريضة، ومن دون قفازات، مستمعاً ومستعرضاً وناصحاً، وواضحاً في طرحه: أي فراغ أمني قد يحصل يجب أن يكون شعاعه وفق ما يرسمه يراع المقاومة. وأي بديل قد يُنتدب لملء الفراغ الأمني يجب أن تكون مهمته منسجمة مع طموحات المقاومة. والحسابات هنا شيعية قبل أن تكون إيرانية. والاختزال هنا ممنوع في زمن الجمع والطرح، فكيف في زمن الضرب والقسمة؟!


