تكتسب زيارة رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني إلى بيروت، في 16 تشرين الأول، أهمية تتجاوز إطار العلاقات الثنائية، في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، وتفاقم أعباء النزوح، وتراكم الأزمات الاقتصادية والخدماتية.
وبينما حملت الزيارة مؤشرات دعم سياسي واقتصادي للبنان، فإنّها أعادت إلى الواجهة سؤالًا أساسيًا: إلى أي مدى تستطيع الحكومة تحويل الدعم الخارجي إلى سياسة إنقاذ وطنية، بدل أن يبقى التعويل على المبادرات الخارجية هو العنوان الأبرز لمعالجة الأزمات؟
أبرز ما أُعلن خلال الزيارة كان الاقتراب من مشروع قطري لإعادة تأهيل البنية التحتية لإنتاج الكهرباء وتطويرها وتحديثها، على أن تتولى قطر التمويل والتنفيذ والتشغيل، من دون تحميل الخزينة اللبنانية كلفة استثمارية مسبقة، وفق ما أعلنه رئيس الحكومة نواف سلام. ويشكّل ذلك فرصة جدية لقطاع استنزف المالية العامة لعقود، لكنّ الإعلان، على أهميته، لا يعادل إنجازًا بحد ذاته. فالمطلوب نشر تفاصيل المشروع، وتحديد شروطه ومدته وكلفته وآلية احتساب التعرفة، وضمان خضوعه للرقابة والشفافية، حتى لا يتحول الانتقال من التمويل العام إلى الاستثمار الخارجي إلى تأجيل للأسئلة المتعلقة بإصلاح القطاع وإدارته.
وهنا تقع مسؤولية الحكومة تحديدًا. فالأزمة الكهربائية ليست وليدة اللحظة، ولا يمكن اختزالها بنقص التمويل أو غياب الشريك الخارجي، إذ ترتبط أيضًا بسنوات من التعثر في الإصلاح، وسوء الإدارة، والعجز عن بناء سياسة مستدامة للإنتاج والتوزيع. وإذا كانت قطر مستعدة للمساهمة في الحل، فعلى الحكومة أن تثبت قدرتها على وضع رؤية متكاملة، لا الاكتفاء بانتظار المبادرات أو تقديمها بوصفها إنجازات مكتملة قبل استكمال الاتفاقات التنفيذية.
سياسيًا، جدّدت الدوحة دعمها لسيادة لبنان ووحدة أراضيه، وطالبت بانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة، وأكدت العمل بالتنسيق مع واشنطن لإطلاق جهود إعادة إعمار الجنوب بما يتيح عودة النازحين. وهي مواقف مهمة، لكنّ حجم الكارثة يتطلب تحركًا لبنانيًا موازيًا، بخطة واضحة للأولويات، وآليات موحدة لتقدير الأضرار، وتنسيق فعلي مع الدول والجهات القادرة على التمويل، بدل ترك إعادة الإعمار رهينة الوعود والتوازنات الخارجية.
لا يقل أهمية عن ذلك أن الدعم القطري للجيش والمؤسسات الرسمية يجب أن يترافق مع تحرك دبلوماسي لبناني أكثر فاعلية لوقف الاعتداءات وتثبيت الانسحاب الإسرائيلي. فالدعم الخارجي يمكن أن يعزز قدرة الدولة، لكنه لا يعفيها من مسؤولية الدفاع عن مصالحها وصياغة موقف موحد.
في المحصلة، فتحت الزيارة نافذة اقتصادية وسياسية للبنان، لكنّ نجاحها لا يُقاس بحجم الإعلانات، بل بقدرة الحكومة على تحويلها إلى نتائج ملموسة. فالمطلوب ليس التقليل من قيمة المساعدة القطرية، بل البناء عليها ضمن خطة وطنية واضحة، تجعل الشراكة الخارجية رافعةً للتعافي، لا بديلًا من الدولة ومسؤولياتها.


