ليس كل من يقف في مواجهة بنيامين نتنياهو يحمل مشروعًا مختلفًا عن مشروعه، ولا كل من يبدو أقل صخبًا في السياسة يكون بالضرورة أقرب إلى السلام. هذه المعادلة تفرض نفسها عند قراءة صعود الجنرال الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت، الذي يحاول تقديم نفسه بوصفه بديلًا عن رئيس الحكومة الإسرائيلية، مستندًا إلى صورة الرجل العملي والنزيه، في وقت يطرح فيه سجله العسكري ومواقفه من القضية الفلسطينية أسئلة جدية حول طبيعة التغيير الذي يمكن أن يحمله إلى الحكم.
في تقرير نشرته صحيفة “الغارديان” البريطانية في 15 تشرين الأول 2026، تناول المراسل الدولي بيتر بومونت شخصية آيزنكوت ومساره السياسي، معتبرًا أنّه يمثل نقيض نتنياهو من حيث الأسلوب والشخصية، لكنه لا يقدم إجابات واضحة بشأن عدد من القضايا السياسية الأساسية، وفي مقدمتها مستقبل الفلسطينيين وإمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة. وبينما يستفيد آيزنكوت من تراجع الثقة بنتنياهو ومن صورته بوصفه شخصية أقل انغماسًا في ألاعيب السياسة، فإنّ هذا الانطباع لا يكفي وحده للحكم على مشروعه، ولا سيما أنّ الرجل ليس وافدًا جديدًا إلى المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، بل أحد أبرز وجوهها وأكثرها ارتباطًا بمقارباتها الأمنية.
من جنرال إلى منافس لنتنياهو
تعود أهمية آيزنكوت إلى مسيرة عسكرية طويلة انتهت بتوليه رئاسة أركان الجيش الإسرائيلي بين عامي 2015 و2019. وقد دخل الحياة السياسية لاحقًا، وانضم إلى تحالف “المعسكر الوطني” قبل أن يؤسس حزب “ياشار” عام 2025، رافعًا شعارات تتصل بالنزاهة وإعادة بناء الثقة بالمؤسسات الإسرائيلية.
ويستثمر آيزنكوت خلفيته الاجتماعية والعسكرية في تكوين صورة مختلفة عن نتنياهو. فهو ينحدر من عائلة يهودية مغربية، ونشأ بعيدًا عن الدوائر التقليدية للنخبة السياسية، قبل أن يتدرج في الرتب العسكرية وصولًا إلى قمة المؤسسة العسكرية. وفي مقابل الصورة المصقولة التي يحرص نتنياهو على تقديمها، يظهر آيزنكوت بصورة الجنرال المباشر الذي لا يتكلف في خطابه ولا يعتمد الأسلوب الاستعراضي نفسه.
لكن الفارق في الشخصية لا يعني بالضرورة وجود اختلاف مماثل في الرؤية السياسية. فالمسألة الأساسية لا تتعلق فقط بمن يدير الحكومة الإسرائيلية، بل بالسياسات التي سيعتمدها تجاه الفلسطينيين ولبنان والمنطقة، وبمدى استعداده لتغيير قواعد التعامل مع الصراع بدل الاكتفاء بإدارته بصورة أكثر انضباطًا.
“عقيدة الضاحية”.. سجل لا يمكن تجاوزه!
حين يُطرح اسم آيزنكوت بوصفه بديلًا أكثر اعتدالًا من نتنياهو، لا يمكن تجاهل موقعه في صياغة المقاربة العسكرية الإسرائيلية التي اشتهرت باسم “عقيدة الضاحية”، والتي ارتبطت بتجربة حرب تموز 2006 والدمار الواسع الذي أصاب الضاحية الجنوبية لبيروت.
ففي تشرين الأول 2008، عندما كان قائدًا للمنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي، أطلق آيزنكوت تصريحات واضحة بشأن طبيعة الرد الإسرائيلي في أي مواجهة مقبلة. وتوعّد بأنّ ما جرى في الضاحية الجنوبية سيطال كل قرية لبنانية ينطلق منها إطلاق نار باتجاه “إسرائيل”، متحدثًا عن استخدام “قوة غير متناسبة” وإحداث دمار وخراب واسعين، ومعتبرًا أنّ هذه القرى ليست قرى مدنية، بل قواعد عسكرية. وقد نُقلت هذه التصريحات في تقارير صحافية إسرائيلية، كما أوردها تقرير بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق بشأن حرب غزة عام 2009.
لم يكن الأمر مجرد تهديد عسكري عابر، بل إعلانًا عن مقاربة ردعية تقوم على إيقاع دمار واسع في المناطق التي تُستخدم، وفق التصور العسكري الإسرائيلي، لإطلاق الهجمات أو إيواء البنية العسكرية للخصم. ومن هنا، اكتسبت “عقيدة الضاحية” دلالتها الأوسع، بوصفها نهجًا يربط الرد العسكري بتدمير البنية التحتية والمناطق السكنية على نطاق واسع، بما يتجاوز استهداف المقاتلين وحدهم.
وفعلياً، هذه الرؤية قامت عليها الحرب الحالية، التي أدت الى تدمير جزء كبير من الضاحية ومسح قرى جنوبية عن الخريطة.
وهذه المقاربة تضع آيزنكوت في قلب النقاش حول استخدام القوة العسكرية الإسرائيلية، ولا تسمح بتقديمه باعتباره شخصية بعيدة عن النهج الذي يجعل التدمير الواسع أداة للردع. كما أنّ استحضار هذا السجل يكتسب أهمية إضافية في ضوء ما شهدته غزة ولبنان من دمار خلال الحروب الأخيرة، وإن كان تقييم المسؤولية عن كل عملية عسكرية بعينها يحتاج إلى النظر في الوقائع والأدلة الخاصة بها.
فلسطين.. لا التزام بقيام دولة مستقلة
إذا كانت “عقيدة الضاحية” تكشف جانبًا من مقاربته العسكرية، فإنّ مواقفه من القضية الفلسطينية توضح حدود الاختلاف بينه وبين حكومة نتنياهو. ففي التقرير الذي نشرته “الغارديان”، نقل بومونت عن آيزنكوت قوله خلال حملته الانتخابية: “لم أقل يومًا إنّ الحل يكمن في دولتين لشعبين”، مضيفًا أنّ الصراع الديني والقومي عميق إلى درجة تجعل الاعتقاد بإمكانية التوصل إلى اتفاق في الوقت الراهن ضربًا من الوهم.
هذا الموقف لا يضع آيزنكوت في معسكر الداعين إلى تسوية تقوم على إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة. كما أنّ موقفه من الاستيطان لا يشير إلى قطيعة مع السياسات الإسرائيلية القائمة؛ فهو يدعم الاستيطان من حيث المبدأ، رغم معارضته بعض المشاريع المحددة، ومنها مخطط E1 الذي يُنظر إليه باعتباره عاملًا إضافيًا في تقويض التواصل الجغرافي بين أجزاء الضفة الغربية المحتلة، بما يهدد إمكان قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
وفي هذا السياق، لا يكفي اعتراض آيزنكوت على بعض سياسات اليمين الإسرائيلي، أو على توسيع نفوذ الوزير بتسلئيل سموتريتش في إدارة شؤون الضفة الغربية، للقول إنّه يتبنى مسارًا مختلفًا جذريًا. فالاعتراض على إدارة ملف الاستيطان أو على عنف المستوطنين لا يساوي بالضرورة رفض الاستيطان نفسه، كما أنّ إعادة صلاحيات أوسع إلى الجيش الإسرائيلي لا تعني إنهاء السيطرة العسكرية على الأراضي الفلسطينية.
وتكمن المسألة هنا في الفارق بين إدارة الاحتلال وتغييره. فقد تكون حكومة آيزنكوت، في حال وصوله إلى السلطة، أكثر حرصًا على الحد من بعض الممارسات التي تثير انتقادات دولية، وأكثر اهتمامًا بإعادة ترميم العلاقات مع الحلفاء الغربيين، لكنّ ذلك لا يثبت بحد ذاته أنّها ستتجه إلى إنهاء الاحتلال أو الاعتراف بحق الفلسطينيين في دولة مستقلة ذات سيادة.
خلاف مع نتنياهو.. أم خلاف على إدارة الصراع؟
يستند آيزنكوت في منافسته لنتنياهو إلى مجموعة من الملفات الداخلية، أبرزها المطالبة بتحقيق شامل في الإخفاقات التي سبقت هجوم السابع من تشرين الأول 2023، وموقفه الداعي إلى إنهاء الإعفاء من الخدمة العسكرية الممنوح لليهود الحريديم. كما ينتقد طريقة إدارة نتنياهو للحرب وبعض القرارات التي يرى أنّها أضرت بالمصالح الإسرائيلية.
غير أنّ هذه الخلافات، على أهميتها داخل الكيان، لا تعني تلقائيًا وجود مشروع بديل في الملف الفلسطيني. فالمعارضة الإسرائيلية لنتنياهو تضم شخصيات تختلف معه في أسلوب الحكم، وفي إدارة العلاقة مع المؤسسة العسكرية، وفي تقدير كلفة الحرب على العلاقات الدولية، من دون أن تتبنى بالضرورة تسوية سياسية تنهي الصراع.
وقد أشار تقرير “الغارديان” إلى هذه المفارقة، ناقلًا عن الباحث في “مجموعة الأزمات الدولية” ميراف زونسزين أنّ آيزنكوت يمارس قدرًا كبيرًا من المراوغة في القضايا السياسية الأساسية، فيما نقل عن الباحث في “تشاتام هاوس” يوسي ميكيلبيرغ قراءة مفادها أنّ بعض قوى المعارضة تعرض نفسها باعتبارها أكثر كفاءة في إدارة الدولة، لا باعتبارها صاحبة اتجاه مختلف جذريًا.
ومن هذا المنطلق، فإنّ الاختبار الحقيقي لآيزنكوت لا يتعلق بقدرته على الظهور بصورة مختلفة عن نتنياهو، بل بما إذا كان سيغيّر السياسات التي أبقت الصراع مفتوحًا، أم سيعمل على إدارتها بطريقة أكثر مهنية وأقل كلفة على إسرائيل في علاقاتها الخارجية.
غزة.. الواقعية العسكرية لا تعني التسوية
في ملف غزة، أظهر آيزنكوت قدرًا من الواقعية العسكرية حين شكك في إمكانية تحقيق “نصر كامل” على حركة “حماس”، ودعا إلى إعطاء أولوية لاستعادة الأسرى الإسرائيليين. لكنّ هذا الموقف، الذي قد يميزه عن بعض الخطابات الأكثر تشددًا داخل الحكومة الإسرائيلية، لا يكفي وحده للدلالة على تحوّل نحو مقاربة سياسية للصراع.
فالاعتراف بحدود القوة العسكرية ليس مرادفًا للاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية، كما أنّ الدعوة إلى تحديد أهداف الحرب بصورة واقعية لا تعني تبني مسار ينهي الحصار أو الاحتلال أو يضمن للفلسطينيين حق تقرير المصير، بل على العكس قد تكون سبباً للمزيد من الإجرام في الحرب “بذريعة قوة العدو”.
وقد تولى آيزنكوت رئاسة الأركان خلال سنوات شهدت مواجهات وعمليات عسكرية إسرائيلية متعددة، كما ارتبط اسمه خلال تلك المرحلة بعمليات الجيش على الجبهة الشمالية وبالاستراتيجية الإسرائيلية القائمة على الردع. أما خلال الحرب الحالية، فقد كان جزءًا من المؤسسة السياسية التي شاركت في إدارة المواجهة، قبل أن يتجه إلى بناء مشروعه السياسي الخاص.
ولا يلغي ذلك وجود اختلافات فعلية بينه وبين نتنياهو في بعض الخيارات، لكنه يضع هذه الاختلافات في إطارها الصحيح: الخلاف على أهداف الحرب وأدواتها وكلفتها، لا بالضرورة على الأسس التي تنطلق منها السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين.
هل يحمل آيزنكوت تغييرًا فعليًا؟
تتوقف الإجابة عن هذا السؤال على طبيعة التغيير المقصود. فإذا كان الحديث عن أسلوب الحكم، وإدارة المؤسسات، والعلاقة مع الجيش، والحد من بعض التجاوزات التي تضر بصورة إسرائيل في الخارج، فإنّ آيزنكوت يطرح نفسه بديلًا عن نتنياهو في هذه الملفات. أما إذا كان المقصود تغييرًا جوهريًا في التعامل مع الفلسطينيين، أو التخلي عن الاستيطان، أو الالتزام بقيام دولة فلسطينية مستقلة، فإنّ تصريحاته ومواقفه المعلنة لا تقدم ما يكفي للاستنتاج بأنّه يتبنى هذا المسار.
بل إنّ الجمع بين خلفيته العسكرية، وارتباط اسمه بـ”عقيدة الضاحية”، وموقفه من حل الدولتين، يفرض التعامل بحذر مع الصورة التي تسوّقه باعتباره وجهًا جديدًا للسياسة الإسرائيلية. فالتغيير في الأشخاص لا يعني بالضرورة تغييرًا في السياسات، والاختلاف في أسلوب القيادة لا يمحو سجلًا عسكريًا ولا يحسم المواقف من قضايا الصراع الأساسية.
وفي المحصلة، قد يمثل آيزنكوت بديلًا عن نتنياهو في إدارة الحكم، لكنّ ذلك لا يجعله تلقائيًا بديلًا عن النهج الأمني والعسكري الذي حكم تعامل إسرائيل مع لبنان والفلسطينيين. وبين الجنرال الذي ارتبط اسمه بعقيدة تقوم على إيقاع دمار واسع، والسياسي الذي يقدم نفسه اليوم بوصفه أكثر اتزانًا من نتنياهو، تبقى الأسئلة الجوهرية معلقة: هل يتجه إلى تغيير مسار الصراع، أم إلى إدارته بكفاءة أكبر؟ وهل يعني التخلص من أسلوب نتنياهو نهاية السياسات التي غذّت الصراع، أم إعادة تقديمها بوجه أقل صخبًا وأكثر قبولًا لدى الخارج؟


