الرئيسيةSliderالعفو العام: قرار دستوري يفتح جبهة سياسية ويعيد الموقوفين الإسلاميين إلى الواجهة

العفو العام: قرار دستوري يفتح جبهة سياسية ويعيد الموقوفين الإسلاميين إلى الواجهة

لم يُنهِ قرار المجلس الدستوري بشأن الطعن في قانون العفو العام الجدل الذي رافق إقراره، بل فتح الباب أمام أزمة جديدة تتداخل فيها الإشكاليات الدستورية مع التداعيات القضائية والحساسيات السياسية والطائفية، في وقت تتجه الأنظار إلى مصير الموقوفين الذين عُلّقت آمالهم على هذا القانون، وفي مقدمهم الموقوفون الإسلاميون.

فقرار المجلس الصادر في 12 تشرين الأول الجاري، وإن ردّ طلب إبطال القانون رقم 70/2026 برمّته، لم يترك النص الذي أقرّه مجلس النواب على حاله، بل أبطل بعض عباراته وفرض تحفظات تفسيرية ملزمة على مواد عدة، ما أثار تساؤلات بشأن حدود صلاحيات المجلس الدستوري، ومدى تأثير تفسيره على الإرادة التشريعية للبرلمان، فضلاً عن انعكاساته العملية على المستفيدين من العفو.

تتمحور إحدى أبرز الإشكاليات حول طبيعة الدور الذي مارسه المجلس الدستوري. فبينما تتمثل مهمته في مراقبة دستورية القوانين، يرى معترضون أن اللجوء إلى التحفظات التفسيرية الملزمة، وما رافقها من تضييق لنطاق بعض الأحكام وتوسيع للاستثناءات، تجاوز حدود الرقابة إلى التدخل في مضمون النص التشريعي الذي أقرّه مجلس النواب.

ولا يتعلق الاعتراض هنا بمجرد اختلاف في تفسير مادة قانونية، بل بالسؤال عن الحدود الفاصلة بين تصحيح النص المخالف للدستور وإعادة تحديد نطاقه وشروط تطبيقه. فهل يملك المجلس، تحت عنوان التفسير الدستوري، أن يفرض على القانون معاني وقيوداً تؤثر في النتائج التي أراد المشترع بلوغها؟

في المقابل، يستند المجلس الدستوري إلى صلاحية اعتماد التفسير الذي يجعل النص متوافقاً مع الدستور، بدلاً من إبطاله، ويعتبر أن تحفظاته التفسيرية ملزمة للسلطات العامة والمراجع القضائية والإدارية. وبذلك، لا يمكن اختزال الخلاف في القول إن المجلس تجاوز صلاحياته، بل إن جوهره يكمن في تحديد مدى هذه الصلاحيات وحدودها.

ما هو مصير الموقوفين الإسلاميين؟

على المستوى العملي، تتركز المخاوف على مصير الموقوفين الإسلاميين، ولا سيما الذين أمضوا سنوات طويلة في التوقيف من دون صدور أحكام نهائية بحقهم، في ظل بطء المحاكمات وأزمة الاكتظاظ في السجون.

وكان قانون العفو العام قد أعاد الأمل بإمكان معالجة جزء من هذا الملف، سواء عبر الإفراج عن المستفيدين منه أو تخفيض العقوبات وفقاً للشروط المحددة فيه. إلا أن التحفظات التي أقرّها المجلس الدستوري، وما تفرضه من تفسيرات ملزمة للاستثناءات الواردة في القانون، أعادت طرح التساؤلات حول عدد المستفيدين الفعليين، ومدى إمكان تطبيق أحكامه على الملفات التي طال انتظار البت فيها.

وقد انعكس ذلك اعتراضاً في الأوساط السنية، سياسياً وشعبياً، وسط مخاوف من أن تؤدي القيود الجديدة إلى إطالة معاناة موقوفين وأسرهم، وأن يبقى بعض هؤلاء خلف القضبان لسنوات إضافية. وبرز الاعتراض أيضاً في أوساط نيابية سنية، حيث أثارت مسودة بيان متداولة، بحسب ما أوردته وسائل إعلام، انتقادات حادة للقرار، على خلفية ما اعتُبر مساساً بصلاحيات مجلس النواب وتضييقاً لمفاعيل القانون.

ولا تقف المسألة عند حدود الإفراج أو استمرار التوقيف، بل تتصل كذلك بمطلب معالجة أوضاع من طال احتجازهم قبل المحاكمة، وبضرورة التمييز بين المسؤولية الجزائية التي تثبتها المحاكم وبين التوقيف الاحتياطي الذي لا يجوز أن يتحول، بفعل التأخير، إلى عقوبة فعلية قبل صدور الحكم.

وتكمن خطورة التطورات في احتمال انتقال الخلاف من تفسير قانوني إلى أزمة ثقة بين المؤسسات الدستورية، بالتوازي مع تصاعد الشعور بالمظلومية لدى شريحة من اللبنانيين ترى أن ملف الموقوفين لم يُعالج بصورة منصفة.

وفي المقابل، يطرح المجلس الدستوري مبررات تتصل بحماية مبدأ المساواة، وضمان وضوح الاستثناءات، ومنع شمول العفو جرائم الفساد والجرائم الخطيرة التي نص القرار على إخراجها من نطاقه. وهي اعتبارات تفتح بدورها نقاشاً حول كيفية التوفيق بين الغاية الاجتماعية والإنسانية للعفو العام، ومتطلبات المحاسبة وحماية حقوق الضحايا.

لكن التحدي الأساسي يبدأ الآن مع التطبيق. فهل ستتمكن المحاكم من تنفيذ القانون ضمن الحدود التي رسمها القرار، أم ستنشأ خلافات جديدة حول تفسير مواده وتحديد المستفيدين منه؟ وهل ستنجح المؤسسات في احتواء الاعتراضات السياسية والشعبية، أم يتحول ملف الموقوفين إلى مصدر إضافي للتوتر؟

في المحصلة، لم يقفل قرار المجلس الدستوري ملف العفو العام، بل نقل الأزمة إلى مرحلة أكثر تعقيداً، تتطلب وضوحاً في التطبيق، وشفافية في تحديد المستفيدين، ومعالجة جدية لملف الموقوفين الذين طال انتظارهم.

شريط الأحداث