لا يمكن فصل تصعيد التهديدات الإسرائيلية للبنان عن مسار المواجهة المفتوحة مع إيران، ولا عن المحاولات الرامية إلى فرض وقائع جديدة في الجنوب اللبناني قبل اتضاح اتجاهات الصراع الإقليمي. فالتلويح بإخلاء الضاحية الجنوبية لبيروت، وتوسيع رقعة الاحتلال، واستهداف البنى التحتية، يتجاوز التحذير من انخراط “حزب الله” في أي حرب مقبلة، ليطرح تساؤلات حول الأهداف التي تسعى “إسرائيل” إلى تحقيقها، ومدى ارتباطها بحسابات حكومة الاحتلال الإسرائيلي الداخلية والانتخابات المقررة في 27 تشرين الأول الجاري.
وفي ظل تضارب الإشارات الأميركية بشأن توقيت أي مواجهة جديدة مع إيران، يبقى لبنان أمام احتمالات مفتوحة، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الضغوط السياسية، فيما لا تزال المفاوضات عاجزة عن توفير ضمانات واضحة للانسحاب الإسرائيلي وعودة الاستقرار إلى المناطق الحدودية.
رفع وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس سقف التهديدات، متوعداً “حزب الله” بأنه “سيتلقى ضربة قاسية، وسيفقد مزيداً من الأراضي اللبنانية المحتلة إذا انضم إلى إيران في مهاجمة إسرائيل”. كما هدّد بإخلاء مناطق واسعة، وصولاً إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، واستهداف البنى التحتية في الجنوب والضاحية، بما قد يدفع أكثر من مليون شيعي إلى النزوح داخل لبنان.
كما جددت “إسرائيل” رفضها الانسحاب من المناطق التي تحتلها في لبنان وسوريا، في وقت يجري فيه التداول بتهديدات تتناول توسيع نطاق الإخلاء نحو مناطق تمتد إلى نهري الأولي والزهراني.
وفي موازاة ذلك، تحدث رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن عزمه “القضاء على حماس وحزب الله وإسقاط النظام الإيراني خلال العامين المقبلين”، في خطاب يضع الجبهات الثلاث ضمن إطار مواجهة مترابطة، وإن اختلفت ظروف كل منها وأدوات التعامل معها.
وتكتسب هذه التصريحات أهمية إضافية في ضوء ما نقلته القناة 12 الإسرائيلية عن عرض نتنياهو على الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خلال الأسبوع الماضي، شن عملية عسكرية واسعة ومشتركة ضد إيران قبل الانتخابات الإسرائيلية. كذلك، نقلت صحيفة “يسرائيل هيوم” عن الوزير السابق أفيغدور ليبرمان مخاوفه من إقدام نتنياهو على عمل عسكري ضد إيران أو “حزب الله” أو “حماس” قبل الانتخابات، معتبراً أن “دوافعه قد ترتبط ببقائه في السلطة أكثر مما ترتبط بالاعتبارات الأمنية”.
لكن الموقف الأميركي لا يقدم حتى الآن صورة حاسمة عن توقيت أي تصعيد. فترامب أعلن أن الولايات المتحدة لن تشن هجوماً على إيران قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية المقررة في 3 تشرين الثاني المقبل، ما يترك مساحة واسعة من الغموض بشأن احتمال وقوع مواجهة جديدة قبل الانتخابات الإسرائيلية أو بعدها.
وفي هذا السياق، تردّد أن موفدين أجانب نقلوا إلى السلطات اللبنانية تحذيراً أن عدواناً جديداً على إيران بات وشيكاً، مكررين ضرورة منع “حزب الله” من التدخل في أي مواجهة مقبلة. وتوحي هذه الرسائل بأن لبنان يُعامل، في حسابات الأطراف المعنية، باعتباره إحدى الجبهات التي قد تتأثر مباشرة بأي توسع في الصراع.
غير أن قراءة التهديدات الإسرائيلية لا تكتمل بالاستناد إلى التصريحات وحدها، بل تقتضي النظر إلى الوقائع التي شهدتها القرى الحدودية خلال الحرب.
فقد أظهرت مراجعة أجرتها صحيفة “نيويورك تايمز”، استناداً إلى صور الأقمار الاصطناعية وأدلة بصرية، أن 48 قرية وبلدة من أصل نحو 60 في المنطقة الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي تعرضت لدمار واسع طال المنازل والبنى التحتية والأراضي الزراعية. وأشار التقرير إلى أن القرى الأكثر تضرراً تكاد تكون جميعها ذات غالبية شيعية.
وتفتح هذه المعطيات باب التساؤل حول مستقبل المناطق المتضررة، وإمكان إعادة إعمارها وعودة سكانها إليها، في ظل استمرار الاحتلال ورفض الانسحاب. كما تجعل التهديدات بإخلاء مناطق إضافية موضع قلق يتجاوز نتائج العمليات العسكرية المباشرة، إلى احتمال تكريس تغييرات طويلة الأمد في الواقع السكاني والجغرافي للجنوب.
وفي موازاة ذلك، طرحت صحيفة “يديعوت أحرونوت” تصوراً لإقامة منطقة تجارة حرة في جنوب لبنان، بمشاركة لبنان و”إسرائيل” والولايات المتحدة واستثمارات دولية، على أن تبقى الأرض لبنانية، فيما تخضع المصالح الاقتصادية لشراكة تمنح الأطراف المشاركة نفوذاً في تحديد الاستثمارات والجهات المستفيدة منها.
ويربط هذا التصور أي ترتيب من هذا النوع بشروط أمنية إسرائيلية ونزع سلاح “حزب الله”. لكنه يبقى طرحاً، لا اتفاقاً قائماً أو خطة حكومية معلنة. ومع ذلك، فإن تداوله يثير تساؤلات حول طبيعة الترتيبات التي قد يجري السعي إلى فرضها في الجنوب، وما إذا كانت ستقوم على تسوية تضمن السيادة اللبنانية والانسحاب الإسرائيلي، أم على ترتيبات اقتصادية وأمنية مرتبطة بوقائع الاحتلال.


