لم يُنهِ قرار المجلس الدستوري بشأن قانون العفو العام الجدل حول القانون ومفاعيله، بل فتح باباً أكثر تعقيداً يتصل بالعلاقة بين المجلس الدستوري ومجلس النواب، وحدود صلاحيات كل منهما، والخيارات المتاحة أمام السلطة التشريعية عندما ترى فئة من أعضائها أن القرار الصادر عن المجلس الدستوري تجاوز حدود الرقابة على دستورية القوانين.
فالمسألة لم تعد محصورة في التحفظات التفسيرية التي فرضها المجلس على عدد من مواد قانون العفو، أو في انعكاساتها على الفئات المستفيدة منه، ولا سيما الموقوفين الإسلاميين، بل باتت تتصل بسؤال جوهري: ماذا يستطيع مجلس النواب أن يفعل إزاء قرار نهائي وملزم، يعترض عليه سياسياً بعض أعضائه، ويرون فيه مساساً بصلاحيات المؤسسة التي يتولون تمثيلها؟
من الناحية الدستورية، لا يملك مجلس النواب إلغاء قرار المجلس الدستوري أو استئنافه، إذ إن قرارات الأخير نهائية. وبالتالي، فإن القرار الصادر في 12 تشرين الأول الجاري أصبح المرجع الملزم في تحديد كيفية تطبيق قانون العفو العام، بما تضمنه من إبطال جزئي لبعض الأحكام وتحفظات تفسيرية ملزمة.
لكن نهائية القرار لا تعني أن جميع القوى السياسية والنيابية ملزمة بتبنّيه سياسياً، أو أن النقاش في حدود صلاحيات المجلس الدستوري أصبح ممنوعاً. فهناك فرق بين الالتزام بمفاعيل قرار دستوري نهائي، وبين الموافقة على كل ما ورد فيه أو اعتبار التفسير الذي اعتمده بمنأى عن النقاش.
ومن هنا، يمكن أن يكون القرار نافذاً وملزماً من جهة، ومرفوضاً سياسياً من جهة أخرى، من دون أن يشكّل هذا الرفض بحد ذاته سبباً لتعطيل تنفيذه.
وهذه المفارقة هي التي تضع مجلس النواب أمام اختبار مؤسسي: كيف يعترض على ما يعتبره تجاوزاً لصلاحياته، من دون أن يتصرف وكأنه يملك حق إلغاء قرار لا يجيز الدستور مراجعته بطريق الاستئناف؟
إذا اختار مجلس النواب الصمت، وترك القرار يأخذ مجراه من دون تسجيل أي موقف مؤسسي بشأن حدود صلاحيات المجلس الدستوري، فسيبقى القرار نافذاً، وستلتزم الجهات المعنية بتطبيقه.
لكن السؤال يتجاوز هذه النتيجة المباشرة إلى ما قد يترتب عليها سياسياً ودستورياً في المستقبل. فهل يُفهم عدم الاعتراض على أنه تسليم بحق المجلس الدستوري في استخدام التحفظات التفسيرية على نحو واسع، بما قد يؤثر في مضمون القوانين التي يقرّها مجلس النواب؟
لا يعني الصمت، في حد ذاته، نشوء عرف دستوري جديد، ولا يكفي قرار واحد لمثل هذا الاستنتاج. إلا أن غياب أي نقاش مؤسسي أو موقف يوضح حدود الاختصاص قد يترك الباب مفتوحاً أمام تكرار الخلاف نفسه في قوانين أخرى.
فالمادة 16 من الدستور تنص على أن السلطة التشريعية تتولاها هيئة واحدة هي مجلس النواب، فيما أناطت المادة 19 بالمجلس الدستوري مهمة مراقبة دستورية القوانين. وبين النصين تقوم المسألة الأساسية: كيف تُمارَس الرقابة الدستورية من دون أن تتحول إلى ممارسة بديلة عن السلطة التشريعية؟
إن تسجيل اعتراض قانوني واضح، حتى مع الالتزام بتنفيذ القرار، قد يتيح لمجلس النواب تثبيت موقفه من حدود صلاحياته، بدلاً من ترك المسألة معلّقة بين الصمت والاعتراض السياسي غير المنتج.
الخيار الآخر هو أن يعلن مجلس النواب، أو الكتل المعترضة فيه، رفضها لما تعتبره تجاوزاً لحدود الرقابة الدستورية. ويمكن أن يتحول هذا الاعتراض إلى نقاش مؤسسي يحدد موضع الخلاف، ويميّز بين حق المجلس الدستوري في مراقبة دستورية القوانين وبين حق مجلس النواب في التشريع وتعديل النصوص.
لكن الموقف السياسي، مهما كان واضحاً، لا يلغي مفاعيل القرار. كما أن رفض المجلس النيابي تفسيراً اعتمده المجلس الدستوري لا يمنحه صلاحية تجاهله أو إصدار قرار مضاد له.
أما تعديل قانون العفو العام، فيطرح مسألة أكثر تعقيداً. فمن حيث المبدأ، يملك مجلس النواب صلاحية التشريع وتعديل القوانين، لكن هذه الصلاحية لا تعني إمكان تجاوز قرار دستوري نهائي بمجرد إعادة إقرار النص نفسه أو تغيير بعض عباراته شكلياً.
فإذا اتجه المجلس إلى تعديل القانون، ينبغي أن يكون التعديل قائماً على معالجة تشريعية واضحة، وأن يراعي أحكام الدستور ومفاعيل القرار القائم. وقد يفتح أي قانون جديد، إذا توافرت شروط الطعن فيه، باباً لمراجعة دستورية جديدة، لكن ذلك لا يعني أن النتيجة ستكون حكماً لمصلحة أي من الطرفين.
وهكذا، فإن تعديل القانون ليس حلاً آلياً للخلاف، كما أن الدخول في مواجهة مباشرة مع المجلس الدستوري لا يقدّم مخرجاً دستورياً بحد ذاته. المطلوب هو التمييز بين ممارسة حق التشريع، وهو حق أصيل لمجلس النواب، وبين محاولة الالتفاف على قرار نهائي وملزم.
وسط هذا الاشتباك الدستوري والسياسي، يبقى مصير الموقوفين، ولا سيما الإسلاميين منهم، الجانب الأكثر إلحاحاً.
فهؤلاء ينتظرون تطبيق قانون العفو بعد سنوات من التوقيف في بعض الملفات، في وقت تعاني فيه السجون من الاكتظاظ، وتستمر معاناة الموقوفين الذين لم تُحسم أوضاعهم القضائية. ومن شأن استمرار الخلاف حول تفسير القانون أن يزيد الغموض بشأن نطاق المستفيدين منه، وأن يؤخر اتضاح مصير بعض الملفات.
ولا يجوز أن يتحول السجال بين المؤسسات إلى سبب إضافي لتعليق حقوق الموقوفين أو إطالة انتظارهم. فالقرار الدستوري أصبح ملزماً، وعلى الجهات القضائية المعنية تطبيق القانون في ضوئه، فيما يبقى من حق مجلس النواب ممارسة صلاحياته التشريعية ضمن الأصول الدستورية.
كما أن الاعتراض السياسي على القرار لا يثبت، بمفرده، أن جميع الموقوفين الذين كانوا يأملون الاستفادة من العفو قد حُرموا منه. فذلك يتوقف على مضمون النصوص والتحفظات الملزمة، وعلى انطباقها على كل ملف قضائي.
لا يبدو أن أمام مجلس النواب طريقاً سهلاً للخروج من هذه الإشكالية. فالصمت يترك القرار نافذاً من دون مواجهة مؤسسية مع الأسئلة التي أثارها، والاعتراض السياسي لا يغيّر مفاعيله، أما تعديل القانون فيبقى خياراً يحتاج إلى دراسة دستورية دقيقة، ولا يضمن وحده إنهاء الخلاف.
لكن احترام القرار النهائي لا يقتضي إقفال النقاش في حدود الصلاحيات الدستورية، مثلما أن الدفاع عن اختصاص مجلس النواب لا يبرر تجاهل قرارات المجلس الدستوري.
المطلوب، إذاً، أن يُفصل بين أمرين: تنفيذ القرار بوصفه ملزماً، ومعالجة الإشكالية الدستورية التي أثارها ضمن الأطر المتاحة. فالدستور لا يُحمى بتعطيل قرارات مؤسساته، ولا بإعفاء هذه المؤسسات من النقاش حول حدود اختصاصاتها.
أما في ملف العفو العام، فإن المعيار النهائي لا ينبغي أن يكون أي المؤسستين خرجت أقوى من المواجهة، بل ما إذا كانت القواعد الدستورية قد بقيت واضحة، وما إذا كان القانون سيُطبّق بصورة متساوية، وما إذا كان الموقوفون سيحصلون على حقوقهم من دون أن يصبحوا ضحايا إضافيين لخلاف لا يملكون أي دور فيه.


