| خلود شحادة |
لا تبدو تهديدات وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس للبنان مجرّد تصعيد لفظي جديد، بل تحمل في طيّاتها رسائل تتجاوز “حزب الله” إلى لبنان بأرضه وسكّانه، وتضع اتفاق الإطار الذي تتكئ عليه الدولة اللبنانية أمام اختبار جديد.
فحين يعلن كاتس أن القرى اللبنانية التي يحتلها الجيش الإسرائيلي في الجنوب ستبقى ضمن ما يسمّيه “منطقة أمنية دائمة”، ملوّحاً بتوسيع الاحتلال نحو مناطق النبطية والليطاني، فإنه لا يكتفي بتهديد الحزب بخسارة مزيد من الأراضي، بل ينسف عملياً أي رهان على أن الوجود الإسرائيلي في القرى المحتلة مجرّد إجراء مؤقت تمهيداً للانسحاب، ويكرّس منطق فرض الوقائع بالقوة، بعيداً من أي التزام يفضي إلى استعادة لبنان سيادته على أرضه.
واللافت أن كاتس أطلق تهديداته من داخل الأراضي اللبنانية التي يحتلها الجيش الإسرائيلي، في مشهد يعكس حجم الاستباحة الإسرائيلية للسيادة اللبنانية، ويكشف أن الحديث عن ترتيبات أمنية لا يعني، بالنسبة إلى حكومة الاحتلال، التراجع عن مشروع السيطرة على الأرض. فبدلاً من أن يكون الانسحاب من القرى المحتلة مدخلاً إلى تثبيت التهدئة، يجري التلويح بتحويل الاحتلال إلى واقع دائم، مع إبقاء التوسّع العسكري خياراً قائماً. وهنا، لا يعود السؤال محصوراً في مصير اتفاق الإطار، بل يمتد إلى جدوى التعويل على تفاهمات لا تمنع “إسرائيل” من فرض شروطها بالنار، ولا تلزمها بالتراجع عن الوقائع التي تصنعها على الأرض.
لكن الأخطر في تصريحات كاتس هو انتقال التهديد من “حزب الله” بوصفه خصماً عسكرياً إلى البيئة الاجتماعية التي يعيش ضمنها، عبر كلام صريح عن إخلاء السكان “الشيعة” من مناطق واسعة وصولاً إلى نهر الأوّلي، وإخلاء الضاحية الجنوبية لبيروت، بما قد يحوّل أكثر من مليون شخص إلى نازحين داخل بلد أنهكته الحرب والنزوح والأزمات الاقتصادية. وبذلك، لا يعود التهديد مقتصراً على استهداف مواقع عسكرية أو بنى تحتية يزعم الاحتلال إنها مرتبطة بالحزب، بل يتوسّع ليشمل مناطق مدنية مكتظة وسكّاناً يُوضَعون، على أساس انتمائهم الطائفي والجغرافي، في دائرة التهديد الجماعي، وبذلك تكون “إسرائيل” قد تخلّت حتى عن الذريعة في حربها على لبنان.
وفي هذا السياق، تبدو الرسالة الإسرائيلية واضحة في أحد أبعادها: جعل البيئة التي يستند إليها حزب الله جزءاً من معادلة الردع والضغط، ورفع كلفة أي انخراط للحزب في مواجهة إقليمية، ولا سيما إذا اتصلت بإيران، بحيث لا تقتصر الخسائر على قدراته العسكرية، بل تمتد إلى الأرض والسكان والاستقرار الاجتماعي. فكاتس لم يربط تهديداته بلبنان فقط، بل حذّر الحزب من الانضمام إلى إيران في مهاجمة “إسرائيل”، متوعّداً بضربات قاسية وبخسارة مزيد من الأراضي. وبذلك، يضع الجبهة اللبنانية صراحة في سياق المواجهة الأوسع مع طهران، ويقدّم لبنان كما لو أنه ساحة يمكن توسيع الحرب فيها وفقاً لحسابات الصراع الإقليمي.
غير أن التعامل مع هذا الخطاب باعتباره مجرد تهويل لا يكفي، لأنه يشكل إلى حد بعيد مؤشر واضح على نية “إسرائيل” شن حرب موسّعة ضد إيران، وربما تكون جزءا من استراتيجية الدعاية المرتبطة بالانتخابات الاسرائيلية، كل ذلك يبقى مرتبطاً بتطورات الميدان والقرار الإسرائيلي في المرحلة المقبلة.
وتزداد خطورة هذا الاحتمال عند ربط التهديدات بالجبهة الإيرانية، في ظل التقارير الإعلامية التي تتحدث عن احتمال هجوم إسرائيلي وشيك على إيران، ومنها ما أورده موقع “أكسيوس”. فإذا كانت المنطقة تتجه فعلاً نحو مواجهة مباشرة بين “إسرائيل” وإيران، فإن لبنان قد يجد نفسه أمام محاولة إسرائيلية لفرض معادلة جديدة على جبهته، سواء عبر استباق أي تدخل لـ”حزب الله”، أو عبر توظيف المواجهة الإقليمية لتوسيع العمليات العسكرية والضغط على لبنان من بوابة النزوح والاحتلال. وفي هذه الحالة، لن يكون التهديد للبنان مجرّد ردّ على خطوة عسكرية محتملة من الحزب، بل جزءاً من حسابات أوسع تسعى “إسرائيل” من خلالها إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك في المنطقة.
ولا يمكن فصل هذا التصعيد عن الحسابات السياسية الداخلية الإسرائيلية أيضاً، ولا سيما في ظل اقتراب الاستحقاقات الانتخابية. فخطاب كاتس يقدّم صورة المسؤول الذي يتشدّد في ملف الأمن، ويرفض الانسحاب من المناطق التي تعتبرها حكومته ضرورية لحماية شمال كيان الإحتلال، ويتوعّد “حزب الله” بضربات إضافية، ويهدد باغتيال الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم.
كل ذلك، رسائل قابلة للتوظيف في المنافسة الانتخابية، من خلال إظهار الحكومة بمظهر الطرف الذي لا يقدّم تنازلات ولا يسمح بعودة التهديدات إلى المستوطنات الشمالية. إلا أن اختزال التصريحات في البعد الانتخابي وحده سيكون قراءة ناقصة، لأن التلويح بتكريس الاحتلال وتوسيع نطاق التهجير قد يخدم، في الوقت نفسه، أهدافاً عسكرية وسياسية تتجاوز صناديق الاقتراع.
فالتهديد هنا متعدد المستويات: تثبيت السيطرة على قرى لبنانية محتلة، والتلويح بتوسيع الحزام الأمني إلى عمق أكبر، وربط مصير الجبهة اللبنانية بمآلات المواجهة مع إيران، واستخدام مصير السكان المدنيين أداة ضغط على حزب الله ولبنان. وقد تتقاطع هذه الأهداف مع الحسابات الانتخابية الإسرائيلية، من دون أن يلغي أحدها الآخر. والأخطر أن الخطاب لا يترك مساحة واضحة بين الضغط العسكري والتهديد بفرض واقع سكاني جديد، ما يجعل أي تصعيد محتمل أكثر اتساعاً من مجرد مواجهة بين جيش الاحتلال و”حزب الله”.
وفي المقابل، يضع هذا المسار الدولة اللبنانية أمام سؤال أساسي بشأن اتفاق الإطار الذي يُفترض أن يشكّل مدخلاً لمعالجة الوضع على الحدود. فإذا كانت “إسرائيل” تعلن أن المنطقة التي تحتلها دائمة، وتلوّح بالتمدد إلى ما وراءها، فكيف يمكن الحديث عن ترتيبات مؤقتة أو عن مسار تفاوضي قابل للاستمرار من دون انسحاب واضح من الأراضي المحتلة وضمانات تمنع فرض وقائع جديدة؟ التناقض بين الرهان اللبناني على الاتفاقات والتهديدات الإسرائيلية لا يمكن تجاوزه بالتمسّك بالشكل التفاوضي وحده، فيما الوقائع الميدانية تشير إلى محاولة فرض شروط بالقوة.
أما الضاحية الجنوبية، التي يلوّح كاتس بجعلها هدفاً مباشراً للإخلاء والاستهداف، فيبدو أن إسرائيل تريد تحويلها إلى ورقة ضغط تتجاوز حدود المعركة العسكرية. فحين تصبح منطقة بهذا الحجم السكاني جزءاً من التهديدات المعلنة، فإن الرسالة لا تقتصر على حزب الله، بل تطال حياة المدنيين وأمنهم وحقهم في البقاء في منازلهم. ومن هنا، فإن الحديث عن جعل الضاحية “يداً توجع” في أي مواجهة لا يعبّر عن مجرد تهديد لموقع جغرافي، بل عن محاولة تحويل الخسائر المدنية والنزوح الجماعي إلى وسيلة ردع، في بلد لا تزال تداعيات الحرب السابقة تثقل كاهل سكانه.


