الرئيسيةSliderالانتخابات والحرب: حسابات نتنياهو وترامب.. ومخاطر المواجهة مع إيران

الانتخابات والحرب: حسابات نتنياهو وترامب.. ومخاطر المواجهة مع إيران

| كيان الاسدي | (*)

أيام قليلة تفصل عن محطة انتخابية مفصلية ستحدد ملامح المرحلة السياسية المقبلة داخل الكيان الصهيوني المحتل، إذ من المقرر إجراء الانتخابات في 27 تشرين الأول/أكتوبر الجاري. وعلى ضوء نتائج صناديق الاقتراع، ستتضح موازين القوى بين الأحزاب، قبل أن تبدأ مرحلة التحالفات والمفاوضات لتشكيل الحكومة الجديدة. وهنا يبرز السؤال الأهم: هل سيتمكن بنيامين نتنياهو من التقدم مجدداً وقيادة اليمين نحو تشكيل حكومة الاحتلال، أم سينجح خصمه غادي آيزنكوت في بناء تحالفات أكثر مرونة وسرعة، واستمالة الأحزاب العربية والاستفادة من مواقفها في هذا المخاض الانتخابي؟

تتفاوت استطلاعات الرأي من فترة إلى أخرى؛ فتارة يتقدم آيزنكوت على نتنياهو، وتارة أخرى تتغير الصورة لمصلحة الأخير. لكن استطلاعات الرأي، مهما كانت نتائجها، لا تحسم المعركة وحدها. فالمعيار الأساسي لا يتمثل في عدد الأصوات التي يحصل عليها كل طرف فحسب، بل في قدرته على جمع المقاعد اللازمة لتشكيل الحكومة، وبناء تحالف سياسي قادر على الصمود والاستمرار.

ومع ذلك، فإن ما يهم في هذه المنافسة ليس اسم الشخص الذي سيصل إلى رئاسة الحكومة بقدر ما تهم طبيعة سياساته ومخططاته، وكيفية تعامله مع المشهد الأمني والعسكري والملفات الإقليمية المحيطة بالكيان. فالتغيير في رأس السلطة لا يعني بالضرورة تغييراً في جوهر المشروع، كما أن اختلاف الشخصيات والأساليب لا يقود حتماً إلى اختلاف الأهداف والنتائج.

وهنا لا بد من التوقف عند الفارق بين غادي آيزنكوت وبنيامين نتنياهو، ولا سيما في طريقة التفكير وإدارة الصراع. فآيزنكوت ابن المؤسسة العسكرية؛ أمضى سنوات في الخدمة، ثم أنهى مسيرته العسكرية وانتقل إلى العمل السياسي، حاملاً معه عقلية المؤسسة التي نشأ فيها وتدرّج في مواقعها. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة مقاربته السياسية بوصفها امتداداً لتفكير عسكري يميل إلى استخدام القوة، لكنه يسعى في الوقت نفسه إلى تحقيق نتائج سريعة يمكن استثمارها سياسياً وتحويلها إلى مكاسب على المستويين الداخلي والإقليمي. كما يقوم نهجه، في جانب منه، على تحقيق الأهداف بالتدرج، وتثبيت النتائج قبل الانتقال إلى مراحل أخرى.

أما نتنياهو، فيختلف عنه في هذا المنحى. فهو لا ينظر إلى موقعه السياسي باعتباره مجرد رئاسة حكومة تتولى إدارة مرحلة عابرة، بل يتعامل مع نفسه، وفق قراءته ومشروعه السياسي، على أنه أمام مهمة تاريخية لتغيير وجه الشرق الأوسط. وهو يرى في وجود دونالد ترامب واندفاعه إلى دعم الكيان الصهيوني فرصة استثنائية لتحقيق طموحاته، مستفيداً من دعم أميركي يراه أكثر اندفاعاً مما كان عليه في عهد عدد من أسلاف ترامب.

لكن هذا الاختلاف في الأسلوب لا ينبغي أن يحجب جوهر المسألة؛ فآيزنكوت لا يقل عن نتنياهو في تبني سياسات تقوم على استخدام القوة والحرب وتوسيع السيطرة. وقد تتباين الأدوات، وتتغير الأولويات، ويختلف تقدير التوقيت المناسب للتحرك، إلا أن النتيجة، وفق هذه القراءة، تبقى واحدة: استمرار الاحتلال ومشاريعه، سواء كان على رأس الحكومة آيزنكوت أو نتنياهو أو غيرهما.

الحرب بوصفها ورقة انتخابية

تبقى المسألة الأهم مدى تأثير عودة الحرب في الواقع الانتخابي، وإمكانية تحول المواجهة العسكرية إلى أداة لتحسين الموقع السياسي واستمالة الناخبين عبر استحضار الخطر الوجودي الذي يهدد الكيان.

فإذا شعر نتنياهو بأن مستقبله السياسي بات مهدداً، وأن خصومه يقتربون من إبعاده عن السلطة، فقد يجد نفسه أمام خيارات أكثر تعقيداً. فهو يواجه اتهامات وقضايا قضائية تمس مصالحه الشخصية ومستقبله السياسي، ولذلك فإن خسارة الانتخابات لا تعني بالنسبة إليه مجرد انتقال السلطة إلى خصومه، بل قد تفتح الباب أمام مرحلة سياسية وقضائية شديدة الصعوبة.

ومن هنا يبرز احتمال توظيف التصعيد الأمني والعسكري في محاولة لإعادة ترتيب المشهد الداخلي، واستثمار الشعور بالخطر لدى الناخب الإسرائيلي. فالحرب، في مثل هذه الظروف، قد تتحول من أداة لتحقيق أهداف عسكرية إلى وسيلة للتأثير في الحسابات الانتخابية، وإعادة تقديم القيادة السياسية بوصفها الطرف القادر على مواجهة التهديدات وحماية الكيان.

لكن هل يستطيع نتنياهو تأجيل الانتخابات إذا شعر بأن نتائجها لن تكون لمصلحته؟ إن فرضية التأجيل تصطدم بعقبات سياسية وقانونية، وفي مقدمتها الحاجة إلى تأمين 80 صوتاً داخل الكنيست، هو أمر لا يبدو متاحاً وفق المعطيات المطروحة.

وعليه، تتمثل الفرضية الأخرى في استحضار خطر وجودي يهدد عمق الكيان، سواء عبر تعرض تل أبيب لقصف صاروخي، أو من خلال إقناع الكنيست بأن “حزب الله” و”حماس” وإيران يخططون لشن هجوم قبيل الانتخابات، في حدث قد يُقدَّم على أنه شبيه بهجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر، بما يستدعي تأجيل الانتخابات واتخاذ إجراءات استثنائية.

وتتكرر في هذا السياق تصريحات نتنياهو مع القادة الأمنيين بشأن التهديدات المحيطة بالكيان. لكن السؤال يبقى: هل يسعى إلى استثمار هذه التهديدات في معركته الانتخابية، أم أنه يمهد لعمل أمني أو عملية استباقية قد تفرض وقائع جديدة على المشهد؟

في الاحتمال الأول، يجد نتنياهو نفسه أمام اتهامات من خصومه بأنه يفتعل الأزمات أو يضخّم الأخطار من أجل تحقيق مكاسب انتخابية، وهو ما يجعل إقناع الكنيست بتأجيل الانتخابات أمراً أكثر صعوبة. أما الاحتمال الآخر، فيرتبط بقرار نتنياهو نفسه، وبما قد يختار المضي فيه من خطوات عسكرية أو أمنية، وما يمكن أن يترتب عليها من تداعيات.

ومع ذلك، ينبغي ألا يُفهم من هذا التحليل أن فوز نتنياهو وتشكيله الحكومة سيؤديان إلى توقف الحرب أو الانسحاب من المناطق المحتلة وعودة الأوضاع إلى ما كانت عليه. فالمسألة ليست بهذه البساطة؛ إذ إن تجاوز الاستحقاق الانتخابي قد يمنحه مساحة زمنية أوسع، ويخفف الضغوط المرتبطة بصناديق الاقتراع، بما يتيح له التخطيط بأريحية أكبر لمواصلة الحرب وتنفيذ مشروعه السياسي والعسكري.

بمعنى آخر، قد تكون الانتخابات عاملاً مؤثراً في توقيت التصعيد وطريقته، لكنها لا تمثل بالضرورة حداً فاصلاً بين الحرب والسلام، كما أن خسارة نتنياهو، إن حصلت، لا تعني نهاية السياسات التي انتهجها الكيان خلال المرحلة الماضية.

ترامب والانتخابات النصفية: حسابات مختلفة

إذا كان الواقع السياسي في الكيان الصهيوني يرتبط إلى حد كبير بمستقبل نتنياهو الشخصي وبقدرته على الاحتفاظ بالسلطة، فإن المشهد الأميركي يختلف من حيث طبيعة النظام السياسي والحسابات التي تحكمه.

فالانتخابات النصفية الأميركية تمثل منافسة بين الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي على موازين القوى داخل الكونغرس، ولا يعني تقدم الديمقراطيين أو تراجع الجمهوريين نهاية رئاسة ترامب أو خروجه من البيت الأبيض. لكن نتائج هذه الانتخابات قد تؤثر في مساحة الحركة المتاحة أمامه، وفي قدرته على تمرير التشريعات وتنفيذ السياسات التي يريدها، ولا سيما في الملفات العسكرية والخارجية.

ومن هنا، فإن أي تقدم للديمقراطيين قد يفتح الباب أمام مواجهة سياسية ومؤسسية مع إدارة ترامب، خصوصاً إذا اتجهوا إلى استخدام صلاحياتهم التشريعية والرقابية لفرض قيود على قراراته العسكرية، أو السعي إلى إقرار قانون يحد من قدرته على شن الحرب على إيران أو تنفيذ عمليات عسكرية ضدها.

وفي هذا السياق، لا بد من التمييز بين إعلان الحرب رسمياً وبين الاستمرار في تنفيذ عمليات عسكرية محدودة أو متدرجة. فطالما أن ترامب يتحرك في إطار العمليات العسكرية، من دون إعلان حرب واسعة، فإن مساحة قراره تبقى مرتبطة بطبيعة الصلاحيات المتاحة له، وبمدى وجود قيود سياسية وتشريعية على إدارته. أما السؤال الذي سيبقى مطروحاً، فهو حجم الضربة المحتملة وحدودها، وما إذا كانت ستبقى ضمن عملية عسكرية محدودة أم ستتحول إلى مواجهة واسعة يصعب احتواؤها.

وبهذا المعنى، لا ترتبط الانتخابات النصفية مباشرة بمستقبل ترامب الرئاسي، لكنها قد تؤثر في حساباته العسكرية وفي تقديره للمخاطر السياسية المترتبة على الذهاب نحو مواجهة جديدة مع إيران.

بين أسعار الطاقة واحتمالات المواجهة مع إيران

في ضوء هذه الحسابات، يبقى احتمال شن ترامب عملية عسكرية أخرى ضد إيران قائماً، لكنه يتحرك في الوقت نفسه ضمن ضغوط اقتصادية داخلية، وفي مقدمتها أسعار الوقود والطاقة، التي تمثل عاملاً مؤثراً في المزاج الشعبي الأميركي وفي الحسابات السياسية للإدارة.

ومن هنا، يمكن فهم سعي ترامب إلى البحث عن خيارات تساعد على خفض أسعار الوقود، بما في ذلك التوجه نحو منح استثناءات لروسيا في بعض الملفات المرتبطة بالطاقة. فالإدارة الأميركية لا تتحرك في المجال العسكري بمعزل عن الواقع الاقتصادي الداخلي، بل تحاول الموازنة بين أهدافها الخارجية وتكاليفها السياسية والاقتصادية.

أما احتمال الحرب، فيبقى قائماً، وقد يرتفع بعد الثالث من تشرين الثاني، موعد الانتخابات النصفية الأميركية. وفي حال تعرض الحزب الجمهوري لخسارة انتخابية، فقد يجد ترامب نفسه أمام مرحلة تتغير فيها حساباته السياسية، بما قد يدفعه إلى استثمار الفترة المتبقية قبل أن تتضح آثار التوازنات الجديدة بصورة كاملة.

وفي هذا السياق، يبرز تقدير يفترض أن أمام ترامب نحو 45 يوماً بعد إعلان النتائج، وهي فترة قد يراها البعض مساحة زمنية كافية للتحرك عسكرياً قبل أن تتضح حدود الضغوط السياسية والمؤسسية الجديدة. لكن هذا يبقى سيناريو محتملاً ضمن جملة من السيناريوهات، وليس نتيجة حتمية تفرضها الانتخابات وحدها.

أما قبل هذا التاريخ، فيتمثل السيناريو المطروح في تنفيذ عملية عسكرية محدودة تستهدف محيط مضيق هرمز والقواعد العسكرية التابعة لحرس الثورة والجيش الإيراني، بهدف فك الحصار وإعادة فتح المضيق، أو الحد من القيود المفروضة على حركة الملاحة فيه.

وقد يكون الدافع وراء مثل هذه الخطوة مرتبطاً أيضاً بمحاولة تخفيف الضغوط على أسواق الطاقة وخفض أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة.

لكن السؤال الأساسي هنا هو: هل ستتمكن عملية عسكرية من هذا النوع من فتح المضيق، ولو بصورة مرحلية، أو على الأقل من تقليل خطر استهداف السفن العابرة فيه؟

إن مشكلة ترامب لا تتعلق بمجرد تنفيذ ضربة عسكرية أو إلحاق أضرار بمنشآت أو مواقع محددة، بل بقدرة الطرف الذي ينفذها على تحقيق الهدف الاستراتيجي الذي يسعى إليه. فاستمرار تهديد السفن المخالفة لا يتطلب بالضرورة مواجهة عسكرية واسعة أو استخدام قدرات مكلفة، في حين أن حماية السفن وتأمينها يتطلبان انتشاراً عسكرياً واسعاً يشمل الطائرات الحربية والأساطيل البحرية ووسائل المراقبة والحماية المستمرة.

وهنا يظهر التفاوت بين القدرة على تهديد السفن المخالفة للقرارات الإيرانية بوسائل محدودة نسبياً، وبين الكلفة العالية المترتبة على تأمينها في منطقة جغرافية واسعة ومعقدة. فامتلاك ترسانة عسكرية كبرى لا يعني بالضرورة القدرة على ضمان حركة السفن بصورة كاملة، كما أن تنفيذ ضربة عسكرية لا يضمن تلقائياً إزالة المخاطر التي تستهدفها.

لذلك، فإن أي عملية أميركية محتملة حول مضيق هرمز لا تضمن وحدها فتحه، ولا تمنع استمرار استهداف السفن المخالفة. فالمعادلة هنا أوسع من مجرد التفوق العسكري التقليدي؛ إذ تتعلق بمدى قدرة كل طرف على فرض كلفة على الطرف الآخر، وبمدى قدرة واشنطن على تحويل تفوقها العسكري إلى نتيجة سياسية وأمنية قابلة للاستمرار.

من يملك قرار الحرب، ومن يملك قرار إنهائها؟

في المحصلة، يرتبط قرار إشعال الحرب في المرحلة الحالية بدرجة كبيرة بالولايات المتحدة الأميركية، سواء على الجبهة الإيرانية أو في بقية الجبهات التي تتداخل فيها حسابات واشنطن وحلفائها. فأميركا تمتلك القدرة على اتخاذ قرار بدء عملية عسكرية، وتحديد توقيتها وحجمها وأهدافها الأولية، لكنها لا تستطيع أن تضمن مسبقاً أن تسير الأحداث وفقاً لما خططت له.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية: قد يكون قرار بدء الحرب بيد طرف واحد، لكن قرار إنهائها لا يبقى بالضرورة بيده وحده. فالتصعيد العسكري يفتح الباب أمام ردود متبادلة، وقد يخلق وقائع جديدة تتجاوز الحسابات التي انطلق منها، كما أن محاولة احتواء المواجهة بعد اندلاعها قد تصبح أكثر تعقيداً من قرار البدء بها.

ولا يغير من هذه المعادلة كثيراً ما إذا وقع التصعيد قبل الانتخابات الأميركية أو بعدها؛ فالتوقيت قد يؤثر في الحسابات السياسية، لكنه لا يلغي احتمالات اتساع المواجهة أو خروجها عن السيطرة. كما أن اختلاف الأهداف بين ترامب ونتنياهو قد يجعل التنسيق بينهما عاملاً مؤثراً في شكل المرحلة المقبلة، لكنه لا يعني بالضرورة تطابق حساباتهما في كل تفصيل أو اتفاقهما على حدود التصعيد ونتائجه.

فنتنياهو ينظر إلى الحرب من زاوية مستقبل حكومته ومشروعه السياسي في المنطقة ووجود الكيان، فيما يتحرك ترامب ضمن حسابات أميركية تجمع بين الاعتبارات العسكرية والاقتصادية. وقد تتقاطع مصالح الطرفين في لحظة معينة، لكن هذا التقاطع لا يضمن أن تكون نتائج الحرب في مصلحة كليهما، ولا أن يتمكنا من التحكم في مسارها حتى النهاية.

وعليه، فإن الأيام المقبلة تحمل قدراً كبيراً من الحساسية، ليس بسبب الانتخابات وحدها، بل لأن الاستحقاق الانتخابي الإسرائيلي يتزامن مع حسابات أميركية داخلية واحتمالات تصعيد عسكري في منطقة شديدة التعقيد. وما ستقرره واشنطن في هذه المرحلة قد يرسم ملامح الجولة المقبلة، لكن طبيعة تلك الجولة وحدودها ونتائجها ستبقى مرتبطة بردود الأطراف الأخرى، وبمدى قدرة كل طرف على تحمل كلفة المواجهة.

إن السؤال لم يعد مقتصراً على ما إذا كانت الحرب ستندلع أم لا، بل على توقيتها وحجمها، والأهم من ذلك كله: هل سيتمكن من يشعلها من التحكم في نهايتها؟

(*) مدير مركز باب العامود للدراسات السياسية والاستراتيجية

شريط الأحداث