يكتسب قرار المجلس الدستوري أهمية خاصة بالنسبة إلى الموقوفين والمحكومين في الملفات المرتبطة بالأحداث الأمنية والاشتباكات المسلحة وقضايا الإرهاب، ومن بينهم الموقوفون الإسلاميون الذين ينتظر بعضهم منذ سنوات حسم ملفاتهم القضائية.
لم يستثنِ المجلس هذه الفئة بوصفها فئة مستقلة من قانون العفو، كما لم يمنحها عفواً خاصاً. فالمعيار الذي يحكم الاستفادة هو طبيعة الجريمة، وتاريخ ارتكابها، والعقوبة المقررة لها، ومدى انطباق الشروط والاستثناءات القانونية، لا الانتماء الديني أو التوصيف السياسي أو الأمني للمتهم.
ومن هنا، فإن رفض إبطال القانون بكامله أبقى باب الاستفادة مفتوحاً أمام من تنطبق عليهم شروطه، بمن فيهم موقوفون طالت مدة احتجازهم من دون محاكمة. لكن هذا لا يعني أن المجلس قرر الإفراج عنهم، أو أن جميع الملفات المرتبطة بأحداث أمنية أصبحت مشمولة بالعفو.
وتبرز هنا ضرورة التمييز بين الموقوف الذي لم يصدر بحقه حكم نهائي، والمحكوم الذي ثبتت مسؤوليته عن جريمة محددة. فالأول يتمتع بقرينة البراءة، ولا يجوز التعامل مع الاتهام الموجه إليه باعتباره إدانة مسبقة. أما الثاني، فتتحدد استفادته من العفو وفق طبيعة الجريمة والعقوبة والشروط التي نص عليها القانون.
وفي المقابل، تفرض الاستثناءات التي أكدها المجلس قيوداً على بعض الملفات، ولا سيما تلك المتعلقة بجرائم القتل المقترنة بظروف مشددة أو الجرائم التي لا يجوز شمولها بالعفو وفق القرار. لكن لا يصح اعتبار كل قضية أمنية أو كل اتهام بالإرهاب مستثنى تلقائياً؛ إذ ينبغي تحديد الوصف القانوني الدقيق لكل جريمة، وفحص الحكم والأدلة والأحكام التي تنطبق عليها.
وتبقى مسألة الموقوفين الذين أمضوا سنوات طويلة من دون محاكمة من أكثر المسائل إلحاحاً. فمهما كانت خطورة الاتهام، فإنها لا تعفي الدولة من واجب حسم القضية ضمن مهلة معقولة، ولا تبرر تحويل التوقيف الاحتياطي إلى عقوبة فعلية تسبق صدور الحكم.
ويبقى الاختبار العملي لقرار المجلس في هذه الملفات هو كيفية تطبيقه: هل ستُراجع أوضاع الموقوفين الذين تنطبق عليهم شروط العفو من دون مماطلة؟ وهل ستُحسم القضايا العالقة ضمن مهلة معقولة؟ وهل ستُطبّق الاستثناءات على أساس قانوني دقيق، بعيداً عن التعميم؟
هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كان العفو سيشكّل فرصة لتصحيح بعض الاختلالات القضائية والإنسانية، أم سيبقى بالنسبة إلى عدد من الموقوفين أملاً مؤجلاً.
ما الذي حققه قرار المجلس الدستوري بالطعن في قانون العفو العام للموقوفين الإسلاميين؟
أولاً ـ أبقى باب الاستفادة من العفو مفتوحاً.
رفض المجلس إبطال القانون بكامله، وعلّل ذلك صراحةً بأن إبطاله سيحرم مستفيدين منه، ومنهم موقوفون منذ سنوات طويلة من دون محاكمة، من العفو الذي أقرّه المشترع لغاية مشروعة.
وهذه نقطة مهمة للموقوفين الإسلاميين الذين تنطبق عليهم شروط القانون، وخصوصاً من طال توقيفهم من دون حسم ملفاتهم. فالقرار لم يُسقط الأساس القانوني الذي يمكن أن يستندوا إليه لطلب الإفراج.
لكن المجلس لم يأمر بالإفراج عنهم مباشرة، ولم يحدّد أسماء المستفيدين أو عددهم.
ثانياً ـ أبقى تخفيض العقوبات قائماً.
بالنسبة إلى من صدرت بحقهم أحكام، لم يُلغِ المجلس نظام تخفيض العقوبات الذي أقرّه القانون، بل ضبط تطبيقه في بعض الحالات.
ومن أبرز ذلك أنه أكد أن المحكومين الذين كانت عقوبتهم الإعدام واستُبدلت بالأشغال الشاقة المؤبدة بموجب القانون السابق، تصبح عقوبتهم 28 سنة سجنية، ولا تُعامل معاملتهم مع المحكومين بالأشغال الشاقة المؤبدة الذين يشملهم تخفيض الـ17 سنة.
هذا الحكم قد تكون له أهمية لبعض المحكومين في قضايا أمنية، لكنه لا يعني أن كل محكوم إسلامي يستفيد تلقائياً من مدة الـ28 سنة؛ إذ يتوقف الأمر على الحكم الصادر بحقه ووضعه القانوني.
ما الذي قيّده القرار؟
هنا تكمن النقطة الأكثر حساسية بالنسبة إلى الموقوفين الإسلاميين، ولا سيما المتهمين أو المحكومين في قضايا الإرهاب والاشتباكات المسلحة.
أ. جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والتعذيب والإخفاء القسري
قرر المجلس صراحةً استبعاد كل فعل يشكّل إحدى هذه الجرائم من نطاق العفو. وهذا قيد ملزم، لكنه لا يعني أن كل جريمة إرهابية أو كل اشتباك مسلح يصنّف تلقائياً ضمن هذه الفئات؛ فالتوصيف القانوني يتوقف على طبيعة الفعل وأركانه والأدلة المتعلقة به.
ب. جرائم القتل العمدي أو القصدي المشدّدة
وسّع المجلس نطاق الحالات التي لا يستفيد فيها المحكوم من تخفيض العقوبة إلا بعد إسقاط الحق الشخصي، لتشمل جرائم القتل القصدي أو العمدي المقترنة بالظروف المشدّدة المحددة في المادة الثالثة، وكذلك الجرائم الواردة في المواد 547 و548 و549 من قانون العقوبات.
وهذا مهم خصوصاً في الملفات التي تتضمن قتلاً لعسكريين أو مدنيين، لكن لا يجوز افتراض انطباق الحكم على كل قضية اشتباك مع الجيش من دون مراجعة وصف الجريمة والحكم الصادر فيها.
ج. التمويل الإرهابي
استثنى قانون العفو جرائم تبييض الأموال وتمويل الإرهاب. لكن يجب التمييز بين تمويل الإرهاب وبين كل اتهام آخر يرتبط بالإرهاب؛ فلا يصح توسيع هذا الاستثناء ليشمل جميع الملفات الأمنية تلقائياً، كما لا يصح القول إن جميع هذه الملفات مشمولة بالعفو.
النقطة الحاسمة: لا يتضمن منطوق القرار استثناءً عاماً يقول إن جميع الموقوفين الإسلاميين أو جميع المحكومين في قضايا الإرهاب محرومون من العفو. وفي المقابل، لا يمنحهم العفو لمجرد انتمائهم إلى هذه الفئة.
ماذا عن الشيخ أحمد الأسير تحديداً؟
لا يمكن استنتاج الإفراج عن الشيخ أحمد الأسير من قرار المجلس وحده، كما لا يمكن الجزم بأن القرار أغلق الباب أمام أي تخفيض للعقوبة في قضيته.
فالحسم يتطلب مراجعة الحكم الصادر بحقه، والجرائم التي أُدين بها، ومدى انطباق استثناء القتل المشدّد عليه، وأثر الأحكام المتعلقة بالعقوبات التي كانت معاقباً عليها بالإعدام قبل إلغائها.
وبالتالي، فإن القول إنه سيخرج بعد مدة محددة، أو إنه لن يستفيد مطلقاً، يحتاج إلى سند من تطبيق القانون على ملفه القضائي، وليس إلى قراءة سياسية عامة للقرار.
- خلاصة خاصة بالموقوفين الإسلاميين
الفئة الأثر المحتمل للقرار
موقوفون منذ سنوات من دون محاكمة بقي باب الاستفادة من العفو مفتوحاً إذا انطبقت الشروط
محكومون بجرائم مشمولة بالعفو يمكن أن يستفيدوا وفق شروط القانون
محكومون في جرائم قتل مشدّدة يخضع تخفيض عقوباتهم للقيود المتعلقة بالحق الشخصي
متهمون بتمويل الإرهاب الجريمة مستثناة من العفو
متهمون أو محكومون في ملفات أمنية أخرى لا يمكن حسم وضعهم من صفة «إسلاميين» وحدها؛ يلزم فحص التهمة والحكم والاستثناءات


