الرئيسيةشريط الاحداثالبرازيل على موعد مع مواجهة حاسمة: عائلة بولسونارو تقترب من استعادة الرئاسة!

البرازيل على موعد مع مواجهة حاسمة: عائلة بولسونارو تقترب من استعادة الرئاسة!

لم تُنهِ الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية البرازيلية معركة السلطة، بل نقلتها إلى مواجهة مباشرة بين الرئيس اليساري لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الذي يسعى إلى ولاية رئاسية رابعة غير متتالية، والسيناتور اليميني فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو. وفيما تقدّم فلافيو في الجولة الأولى بفارق يقارب نقطتين، أظهرت نتائج الانتخابات التشريعية أن المعركة لا تتعلق فقط بهوية الرئيس المقبل، بل أيضًا بميزان القوى داخل الكونغرس، ومستقبل سياسات الأمازون، وعلاقة برازيليا بواشنطن وبكين.

المشهد البرازيلي اليوم ليس مجرد إعادة لمواجهة عام 2022 بين اليسار واليمين، بل اختبار لقدرة عائلة بولسونارو على تحويل نفوذها السياسي، رغم إدانة جايير بولسونارو في قضية محاولة الانقلاب، إلى مشروع لاستعادة الرئاسة. وفي المقابل، يحاول لولا الدفاع عن حصيلة ولايته الثالثة، في مواجهة خصم يستثمر في المخاوف الأمنية، والاستياء من غلاء المعيشة، والانقسام العميق الذي لا يزال يطبع المجتمع البرازيلي.

أولًا: الجولة الأولى.. تقدّم لبولسونارو من دون حسم

بحسب النتائج التي أُعلنت بعد اقتراع 4 تشرين الأول، حصد فلافيو بولسونارو 47.03% من الأصوات الصحيحة، مقابل 45.16% للولا، ولم يتجاوز أي مرشح عتبة 50% اللازمة للفوز من الجولة الأولى. وبذلك تقرر إجراء جولة ثانية في 25 تشرين الأول.

الفارق بين الرجلين، البالغ نحو 1.87 نقطة مئوية، لا يكفي لحسم النتيجة مسبقًا، لكنه منح فلافيو أفضلية أولية ورسالة سياسية واضحة مفادها أن التيار اليميني لا يزال قادرًا على المنافسة على الرئاسة، حتى بعد خروج جايير بولسونارو من السباق السياسي المباشر بسبب ملاحقته القضائية.

أما لولا، البالغ 80 عامًا، فيواجه اختبارًا مختلفًا: هل لا يزال قادرًا على جمع قاعدة انتخابية واسعة حول تجربته الاجتماعية والاقتصادية، أم أن الاستقطاب والتعب من الطبقة السياسية يفتحان الباب أمام انتقال الرئاسة إلى الجيل التالي من عائلة بولسونارو؟

ثانيًا: هل يخوض فلافيو معركة والده؟

يصعب فهم ترشح فلافيو بمعزل عن والده. فقد أصبح جايير بولسونارو، الرئيس البرازيلي بين عامي 2019 و2022، الشخصية المركزية للتيار اليميني الشعبوي الذي تحدّى هيمنة اليسار، واستقطب قطاعات من الناخبين عبر خطاب يركّز على الأمن، والقيم المحافظة، ومواجهة ما يصفه أنصار التيار بـ«المؤسسة السياسية».

لكن مسار الأب انتهى إلى أزمة دستورية وقضائية عميقة. فقد أُدين عام 2025 بالتخطيط لمحاولة انقلاب عقب خسارته انتخابات 2022، وحُكم عليه بالسجن 27 عامًا. وأصبحت إدانته أحد أبرز العوامل التي ترسم حدود المعركة الحالية، بين من يرى فيها محاسبة على محاولة تقويض النظام الديمقراطي، ومن يعتبر الملاحقات بحق بولسونارو وأنصاره استهدافًا سياسيًا.

فلافيو، وهو سيناتور وقيادي في الحزب الليبرالي، لا يقدّم نفسه باعتباره قطيعة مع تجربة والده، بل امتدادًا لها. وقد تعهّد بالعفو عن والده أو العمل على إصدار عفو تشريعي يشمل أشخاصًا أُدينوا في أحداث اقتحام المؤسسات الحكومية في كانون الثاني 2023، وهي خطوة قد تصطدم بالسلطة القضائية وبموازين القوى الدستورية.

المفارقة أن الأزمة التي أخرجت جايير من الرئاسة لم تُنهِ نفوذ العائلة. فقد تحوّل الابن إلى مرشح قادر على استثمار الاسم السياسي والشبكات الانتخابية نفسها، فيما باتت الانتخابات استفتاءً غير مباشر على إرث الأب: هل يرفض البرازيليون العودة إلى هذا النهج، أم أن قطاعًا واسعًا منهم مستعد لمنح العائلة فرصة جديدة عبر مرشح آخر؟

ثالثًا: مفاجأة الانتخابات ليست الرئاسة وحدها.. اليمين يتقدم في الكونغرس

من أبرز التطورات نتائج الانتخابات التشريعية المتزامنة مع الجولة الأولى. فقد حقق الحزب الليبرالي، الذي يقوده فلافيو بولسونارو، مكاسب كبيرة، وأصبح أكبر كتلة في مجلس النواب، مع 121 مقعدًا من أصل 513، مقابل 70 مقعدًا لحزب العمال الذي يتزعمه لولا. كما ارتفع تمثيل الحزب الليبرالي في مجلس الشيوخ من 15 إلى 28 مقعدًا.

وتعني هذه النتائج أن الفوز بالرئاسة لن يكون كافيًا وحده لضمان القدرة على الحكم. فإذا فاز لولا، فسيجد نفسه أمام كونغرس يميل بوضوح إلى اليمين، ما قد يعرقل مشروعاته الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، ويجبره على التفاوض مع قوى لا تشاركه أولوياته. أما إذا فاز فلافيو، فسيحصل على قاعدة تشريعية أكثر ملاءمة لمشروعه، وإن كان ذلك لا يلغي الخلافات المحتملة داخل المعسكر المحافظ نفسه.

وتكشف الأرقام عن تحوّل أوسع من مجرد تبدّل في شعبية مرشحين: اليمين بات يمتلك حضورًا مؤسسيًا قويًا حتى قبل معرفة اسم الرئيس المقبل. ووفق توزيع المقاعد في مجلس النواب، تملك الأحزاب المصنفة يمينية 303 مقاعد، أي نحو 59% من المجلس، مقابل 124 مقعدًا لليسار.

لهذا، فإن السؤال لا يقتصر على من سيجلس في قصر بلانالتو الرئاسي، بل على ما إذا كانت البرازيل تتجه إلى مرحلة يصبح فيها اليمين قوة مهيمنة في التشريع، حتى في حال بقاء الرئاسة بيد اليسار.

رابعًا: آخر استطلاعات الرأي.. سباق مفتوح ورفض مرتفع للمرشحين

لم تمنح الأيام الأولى بعد الجولة الأولى أيًّا من المرشحين ضمانة للفوز. فقد أظهر استطلاع Atlas/Bloomberg المنشور في 9 تشرين الأول تقدّم فلافيو بنسبة 52.8% من الأصوات الصحيحة، مقابل 47.2% للولا، بهامش خطأ نقطة مئوية واحدة. لكن استطلاع Vox Brasil المنشور في اليوم نفسه أظهر تقدّمًا رقميًا للولا بنسبة 50.9% من الأصوات الصحيحة مقابل 49.1% لفلافيو، ضمن تعادل إحصائي وفق هامش الخطأ.

وفي استطلاع Datafolha الذي أُجري يومي 6 و7 تشرين الأول، بلغت نسبة الذين قالوا إنهم لن يصوّتوا للولا 46%، مقابل 43% لفلافيو. وتكشف هذه الأرقام عن مشكلة تواجه الطرفين: المنافسة لا تدور فقط حول القدرة على جذب المؤيدين، بل حول حدود الرفض الذي يواجهه كل مرشح.

ويجب التعامل مع هذه الأرقام بوصفها لقطات زمنية، لا تنبؤات بالنتيجة. فالاستطلاعات تختلف في منهجياتها وتوقيت جمع بياناتها، كما أن التعبير عن نية التصويت لا يضمن المشاركة الفعلية يوم الاقتراع.

والأهم أن هناك ناخبين لم يحسموا موقفهم، إلى جانب كتلة من المقترعين الذين يرفضون المرشحين أو يعزفون عن المشاركة. وقد سجّلت الجولة الأولى أكثر من 33 مليون شخص لم يشاركوا في التصويت، إلى جانب نحو ستة ملايين صوت أبيض أو باطل. هذه الكتلة قد تكون مؤثرة في جولة ثانية يتنافس فيها مرشحان فقط.

تدخل البرازيل المرحلة الأخيرة من حملتها الانتخابية وسط مشهد شديد التعقيد: مرشح يميني يتقدم في الجولة الأولى ويستند إلى إرث والده وشبكة سياسية واسعة، ورئيس يساري يسعى إلى ولاية جديدة مستندًا إلى سجل اجتماعي وبيئي، لكنه يواجه غضبًا بشأن الأمن وغلاء المعيشة. وفي الخلفية، كونغرس يميني قوي، وقضاء حاضر بقوة في الصراع السياسي، ومنصات رقمية باتت ساحة للتأثير والتضليل، وأمازون يظل مستقبلها موضع خلاف داخلي ودولي.

قد يحسم الناخبون اسم الرئيس في 25 تشرين الأول، لكنهم لن يحسموا بسهولة الأسئلة التي أنتجت هذه المواجهة: حدود السلطة التنفيذية، ومكانة القضاء، ومستقبل اليمين الشعبوي، وقدرة اليسار على تجديد شرعيته، وكيفية الموازنة بين الأمن والحقوق، وبين التنمية وحماية البيئة، وبين العلاقات الدولية والسيادة الوطنية.

لهذا، فإن الانتخابات البرازيلية ليست مجرد سباق بين لولا وفلافيو بولسونارو. إنها اختبار لاتجاه الدولة في السنوات المقبلة، ولقدرة الديمقراطية البرازيلية على استيعاب الاستقطاب من دون أن تصبح المؤسسات نفسها جزءًا من معركة لا تنتهي

شريط الأحداث