| عماد مرمل |
لم يتمّ بعد تثبيت موعد الجولة المقبلة من المفاوضات المباشرة بين بيروت وتل أبيب، ولكن إن صحّ خبر انعقادها في ولاية فلوريدا الأميركية بين 20 و22 الشهر الجاري، كما يُشاع، فإنّ علامات استفهام عدة ستسبقها إلى مقرّ التئامها.
تساؤلات عدة يفرضها احتمال إجراء جولة مفاوضات إضافية في التاريخ المتداول في مدينة تامبا – فلوريدا، حيث توجد قاعدة ماكديل الجوية (MacDill Air Force Base) التي تحوي مقر القيادة المركزية الأميركية.
ومن التساؤلات التي تفرض نفسها: هل يمكن أن تكون هذه المرّة مختلفة عن الجولات السابقة التي لم تحقق المطلوب منها؟ ما الجديد الذي يمكن أن تقدّمه مفاوضات فلوريدا، سواء كانت عسكرية أم مدنية أم مزيجاً من الاثنين؟ هل الإسرائيلي جاهز ليعطي شيئاً، وهل الأميركي مستعد للضغط جدّياً على تل أبيب؟ وما الذي يستطيع لبنان تحصيله في هذا التوقيت؟
غالب الظن، أنّ الأجوبة ستكون في معظمها سلبية لسبب أساسي، يتمثل في كون البيئة الاستراتيجية ليست مؤاتية حالياً لتحقيق نتائج إيجابية، تسمح بكسر المراوحة التي طبعت المسار التفاوضي في مراحله الأخيرة.
والأكيد أنّ تبديل المكان ليس كافياً لتبدّل المواقف خصوصاً الإسرائيلية منها، إذ إنّ المطلوب تغيير المقاربة لا الجغرافيا، وهو الأمر الذي لن يتحقق الآن، لاسيما وسط انشغال القيادة الإسرائيلية هذه الأيام بالاستعداد للانتخابات التي هي، بالنسبة اليها، أهم بكثير من المفاوضات.
وإذا كان المتداول أنّ الجلسة التفاوضية ستُعقد من 20 إلى 22 تشرين الأول الجاري، فهل هناك من يتصور أنّ بنيامين نتنياهو الذي سيخوض انتخابات مصيرية في 27 منه، يمكن أن يقبل في هذا التوقيت بالانسحاب من متر واحد في الجنوب او وقف الاعتداءات او إطلاق مزيد من الأسرى او السماح بعودة نازحين، وما إلى ذلك من المطالب اللبنانية؟
من هنا، فإنّه يصعب أن يتجاوب المفاوض الإسرائيلي مع ما تسرّب حول عزم الوفد اللبناني على المطالبة في الجولة المقبلة في “تامبا”، إن حصلت، بانسحاب قوات الاحتلال من أماكن تسيطر عليها في محيط قلعة الشقيف، تمهيداً لانتشار الجيش اللبناني مكانها، ضمن سياق تنفيذ آلية “المناطق التجريبية”، مع العلم أنّ نتنياهو كان يرفض أساساً توسيع مساحة “حقل التجارب” بسبب عدم ثقته في جّدية الجيش في نزع سلاح “حزب الله”، ليأتي عامل الانتخابات الوشيكة حتى يزيد طين الموقف الإسرائيلي بلّة.
والمفارقة، أنّ السيناريو الرائج هو معاكس تماماً لما تتمناه السلطة. إذ هناك خشية لدى بعض الأوساط الداخلية والخارجية من احتمال أن يندفع نتنياهو نحو شن عملية عدوانية ضدّ أهداف في لبنان خلال الفترة الفاصلة عن موعد انتخابات الكنيست، سعياً إلى تحسين فرص فوزه فيها وحشد الناخبين إلى جانبه.
ولئن كان البعض يعوّل على الدور الأميركي في مفاوضات فلوريدا، الّا أنّ هناك من يلفت إلى انّ واشنطن ستنتظر على الأرجح، لتفعيل ديبلوماسيتها، نتائج الانتخابات الإسرائيلية، حتى تعرف مع مَن ستتعامل خلال المرحلة المقبلة، وسط تقديرات تفيد أنّها تعتبر أنّ ورقة نتنياهو قد استُهلكت، وأنّها تفضّل ضمناً وصول منافسه غادي ايزنكوت إلى رئاسة الحكومة، لأنّ التعاطي معه أكثر سهولة.
وأمام كل هذه الاعتبارات، تبدو جولة “تامبا” المفترضة هذا الشهر، لزوم ما لا يلزم، وهي ستكون تفاوضاً للتفاوض فقط، وكأنّ المُراد منها أن يظل المسار اللبناني – الإسرائيلي يتنشق الأوكسيجين، ولو كان موصولاً إلى أجهزة التنفس الاصطناعي.



