الرئيسيةاقتصادقطاع الاتصالات نحو "البيع"؟

قطاع الاتصالات نحو “البيع”؟

| زينب بزي |

يبدو أن وزير الاتصالات شارل الحاج “مستعجل” على التخلّص من قطاع الاتصالات أكثر من اهتمامه بإدارته وتطويره. فمجلس الوزراء يناقش اليوم طلباً مرفوعاً من الوزارة للموافقة على دفتر شروط ومشروع عقد، لتخمين الأصول الثابتة وغير الثابتة والأعمال الجارية العائدة لوزارة الاتصالات و”أوجيرو”، وإجراء جردة للأصول الثابتة العائدة لشركتَي الخلوي MIC1 وMIC2  من دون تخمينها، في خطوة تقع في صلب مسار إعادة هيكلة القطاع وإنشاء “ليبان تيليكوم”، أي إنه يحضّر لبيع القطاع فيما هو يرفض إنفاق أي قرش على تحسينه والاستثمار فيه لرفع قيمته.

تشير مصادر مسؤولة إلى أنه فيما يتقدّم العمل في مجال تخمين أصول القطاع تمهيداً للتركيبة الجديدة، تُهمل وتُعلّق عمداً الاستثمارات التطويرية في شبكات الخلوي الحالية وأبرزها استكمال تركيب شبكة الجيل الخامس (5G). ومع اتساع الخلافات مع إدارة أوجيرو وتعطّل الهيئة المنظّمة للاتصالات بإضراب موظفيها، يصبح السؤال مشروعاً عمّا إذا كان القطاع يُترك ليتراجع إلى أن تصبح إعادة هيكلته وإدخال القطاع الخاص إليه الخيار الذي لا بديل منه، علماً أن هذا السلوك قد يشير إلى أن عملية البيع مُوجّهة ومُحدّدة مُسبقاً.

وبحسب معلومات “الأخبار”، رفعت شركتا الخلوي “ألفا” و”تاتش” إلى الحاج أكثر من دراسة لتوسيع شبكة الـ5G، وأبدتا جهوزيتهما للمباشرة بالتنفيذ. ولا يبدو أن ثمة عائقاً مالياً يحول دون ذلك. فالكلفة القصوى المُقدّرة، وفق المصادر، لا تتجاوز نحو 100 مليون دولار لكل شركة، كما أن الأموال متوافرة ويمكن إنفاقها على دفعات موزّعة على أربع سنوات. أي إنّ المشكلة ليست في غياب الدراسات، ولا في نقص الأموال، ولا في عدم جهوزية الشركتين. المشكلة في أن القرار لا يصدر من الجهة التي يُفترض أن يصدر عنها “لغاية في نفس الحاج” يقول المصدر. فالدراسات لا تزال في أدراج الوزارة، والحاج، بحسب المصادر، لا يبدو راغباً في تحميل الشركتين استثمارات كبيرة في المرحلة الحالية، فيما يمضي في مشروعه لإعادة هيكلة القطاع.

لكنّ الامتناع عن الاستثمار ليس قراراً مُحايداً، ولا يعني إبقاء القطاع حيث هو إلى حين حسم مستقبله. فالشبكات أصلٌ يحتاج إلى استثمار مستمر للحفاظ على قدرته وقيمته، وتركها من دون التطوير المُتاح يعني تقادمها وتراجع قدرتها التنافسية وقيمتها مع الوقت. وبالتالي، فإن عدم تنفيذ استثمار تستطيع شركتا الخلوي تمويله اليوم لا يؤجِّل تطوير الشبكة فحسب، بل يترك الأصل العام نفسه يخسر من قيمته فيما يُنتظر المُشغِّل الذي سيأتي لاحقاً لتطويره.

وهنا يصبح بند تخمين الأصول المعروض على مجلس الوزراء أكثر دلالة. ففي الوقت الذي لا تحصل فيه شركتا الخلوي على الضوء الأخضر لاستثمار أموالهما في تطوير الشبكة، تتحرّك الوزارة في مسار يمهّد لإعادة ترتيب أصول القطاع وبيعها لـ”المُزايِد الأعلى”. فهل جاء وقت تحديد هوية “المُزايِد الأعلى”، أي إن الحاج يقود الاتصالات نحو عملية بيع “مُوجّهة” وربما قد تكون مُحدّدة سلفاً. لأن القطاع القائم لا يمكن وضعه في الثلاجة إلى حين ولادة القطاع الجديد. فإذا كان إنشاء “ليبان تيليكوم” يحتاج إلى مسار قانوني وإداري ومالي، فإن شبكات الاتصالات تحتاج إلى استثمارات مستمرّة لتكون الخدمات مستقرّة وليست في وضعها السيّئ اليوم. كما أن المشترك الذي يدفع فاتورته اليوم ليس معنياً بانتظار اكتمال مشروع الوزير حتى يحصل على شبكة مستقرة ومتطورة.

والـ5G  ليس سوى أحد مظاهر المشكلة. ففي أوجيرو، تتحدّث مصادر القطاع عن خلافات متزايدة بين الحاج ورئيس مجلس الإدارة والمدير العام أحمد عويدات حول إدارة القطاع وتوزيع الأدوار والصلاحيات. وتكتسب هذه الخلافات أهمية إضافية لأن أوجيرو يُفترض أن تكون في صلب أي انتقال نحو “ليبان تيليكوم”، لا على هامشه.

أمّا المفارقة الكبرى فتأتي من الهيئة المنظّمة للاتصالات. فالهيئة التي أعيد تشكيلها بعد سنوات طويلة من الغياب، وقُدّم إحياؤها باعتباره خطوة أساسية لاستعادة التنظيم والرقابة وفصل دور الوزارة عن دور المنظّم، لم يحتج موظفوها إلى وقت طويل قبل أن يدخلوا في إضراب للمطالبة بزيادات على رواتبهم. ورغم نفي بعض الموظفين وجود إضراب، فإن خلوّ مكاتب الهيئة في الوزارة من الموظفين كان كافياً ليعكس حجم التعطّل في عملها.

ولا يقف الأمر عند هذا الحدّ، إذ تؤكد المصادر وجود خلافات وإشكالات بين أعضاء الهيئة أنفسهم، بما يطرح سؤالاً بديهياً عن قدرتها على تنظيم قطاع بكامله فيما تعجز عن تنظيم عملها الداخلي والتوافق بين أعضائها. ولا يدور الحديث هنا عن إدارة عامة يعيش موظفوها على الرواتب المتدنية المعروفة في القطاع العام، بل عن هيئة يتمتع موظفوها أصلاً بمستويات أجور مرتفعة مقارنة بكثير من موظفي الدولة والمؤسسات العامة. ومع ذلك، تتعطّل الجهة التي يُفترض أن تمنع تعطّل القطاع نفسه، وفي واحدة من أكثر المراحل التي تحتاج فيها إعادة الهيكلة إلى جهة تنظيمية فاعلة ومستقلة. وهكذا، فإن الهيئة التي أُعيد إحياؤها لتنظيم القطاع، باتت هي نفسها بحاجة إلى من ينظّم عملها.

يبدو من كل ذلك أنّ القطاع بات بلا إدارة، أو ربّما هي إدارة تتناسب مع الهدف الذي يطمح إليه الحاج في النهاية. فهل يُحرم القطاع من الاستثمار الذي يحتاج إليه لكي تتراجع أصوله، ثم يُستخدم هذا التراجع نفسه دليلاً على فشل الإدارة العامة وحجة إضافية لإعادة الهيكلة والخصخصة؟ فإذا كانت النية كذلك، فلا تكون الدولة قد عجزت عن تطوير ما تملكه، بل تكون قد تركت قيمته تتآكل بكامل إصرارها وتصميمها، ثم قدّمت النتيجة مبرّراً لتسليمه إلى غيرها. وهذه ليست إدارة للمال العام، بل وصفة تجعل إضعاف الأصل العام مقدّمة لتسويق التخلّي عنه باعتباره إنقاذاً له.

شريط الأحداث