الرئيسيةSliderراحت "السَّكْرة"... ولم تأتِ الفكرة!

راحت “السَّكْرة”… ولم تأتِ الفكرة!

عاش لبنان، منذ قيامه عام 1943، تغييرات جذرية وجوهرية في حياته السياسية والاجتماعية. إلى حد اعتبار أن كل مرحلة تدفن ما قبلها. هذا لا يعني بالضرورة أن لبنان يدخل في كل مرة حقبة سياسية جديدة تختلف جذريًا عمّا سبقها.

في كل مرة، يشعر البعض أن الفرصة أصبحت سانحة للانقضاض على من كان يمسك بمفاصل السلطة بالأمس، إلى أن يكتشف سريعًا أن من كان في السلطة وذهب، ليس هو المتحكّم بالبلد، بل إن الدولة العميقة واللوبيات الخارجية والداخلية هي التي تدير البلاد.

هذا ما حصل منذ انتهاء الحرب الأهلية، وتسلم ما يُسمّى “السُّنّية السياسية” السلطة بعد “المارونية السياسية”. اكتشف كلاهما أنه ليس المسؤول وحده عن خراب البلد، بل إن هناك دائمًا أيدٍ خفية لها هيمنة على مفاصل الدولة كافة، من الأمنية إلى الاقتصادية والمالية، وغيرها من الملفات الحساسة في البلد.

ثم أتت ما يُسمّى “الشيعية السياسية”، متعطشةً إلى السلطة، حاملةً خلاصة ما ورثته عن سلفها من شعارات رفع الحرمان عن فئتها وتحسين ظروف البلد، بأهداف عامة وخاصة. لكنها، هي الأخرى، وجدت نفسها أمام نفق مسدود لا تستطيع اختراقه أو هدمه، فهو أكبر منها، رغم فائض القوة الذي صوّر للناس.

كل فئة من هؤلاء، بعد أول كف، تعيد حساباتها وتنزل عن الشجرة، وتعود إلى التعاطي مع شركائها في الوطن، بعدما تكتشف أنهم ليسوا السبب، وأنه لا يمكن الحكم من دونهم. لذلك، كنا دائمًا نسمع الجمهور يلوم فريقه على مشاركته الحكم مع خصوم الأمس، فالعموم لا يملكون المعطيات التي تواجه رجال السلطة.

أما اليوم، ومنذ كانون الثاني 2025، فلا تزال السلطة ثابتة على الشجرة، لا تعترف بالفشل، ولا بعدم القدرة على الاستمرار بهذه العنجهية، ولا بالحاجة إلى استيعاب شركائها في الوطن.

لا تلام السلطة على تصرفاتها؛ فلم تأتِ إلى لبنان سلطة مدعومة سياسيًا لمواجهة شركاء الوطن بهذا الشكل، ولم نرَ يومًا رموز السلطة مرتهنين للخارج بهذا الشكل، مع العلم أن بعضهم كان، في الأمس القريب، يتقن فن إرضاء جميع من في الداخل.

أخذت السلطة قرار التفاوض المباشر مع العدو الإسرائيلي، منذ بداية عام 2026، على اعتبار أنه الخيار الأقل كلفةً من حيث التكاليف على الدولة والشعب، “وهو ما يجب أن يقوم به كل رئيس مخلص للدولة والشعب”.

إلا أنه، وبعد ستة أشهر، ولأن المفاوضات لم تُفضِ إلا إلى مزيد من القسوة والدمار والاحتلال، ألا يجب أن تعيد السلطة حساباتها؟

لا يختلف اثنان على أن السلطة اللبنانية محرجة جدًا؛ فمن جهة، لم تُفضِ المفاوضات إلى شيء، ولم تُجنّب لبنان شيئًا، بل زاد الدمار و الاحتلال. ومن جهة أخرى، لا تريد السلطة التراجع والاعتراف أمام خصومها بأنها أخطأت، وأنهم كانوا على حق.

حتى خصوم “حزب الله” في سوريا أعطوا النصيحة للسلطة بالتراجع، لانهم وقعوا في الفخ نفسه.

ومن هنا، يصبح السؤال بديهياً: من قرّر أن يشرب كأس سُمّ التفاوض المباشر مع عدوٍّ غاشم، ألم يحن الوقت لأن ينزل عن الشجرة، ويفاوض أبناء وطنه، شركاءه ومنتخبيه ومن أتوا به رئيسًا؟ ألم يحن الوقت لإعادة الحسابات والبحث عن خيار أفضل؟

يبدو، وفي ظل وجود نفوس متكبرة في السلطة، فإن المطلوب من الفريق الآخر أن يتعهد بألّا يستخدم هذا الملف في الإعلام، وألّا يفضح حجم سيطرة داعمي السلطة عليها من الخارج، لعلّهم يعودون عن الخطأ.

الواضح أن سكرة الانتصار طارت، و نشوة الانتخاب انتهت، على أمل أن يهبط عليهم الوعي والإلهام و فكرة الوطن لبنان.

شريط الأحداث