أوقفت السلطات الألمانية الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الخارجية الألمانية “بي إن دي”، أوغست هانينغ، للاشتباه في ارتكابه جرائم تتعلق بالتجسس والحصول على أسرار دولة ومحاولة الخيانة. وقالت النيابة العامة الاتحادية في كارلسروه إن الشرطة الجنائية الاتحادية اعتقلت هانينغ، البالغ 80 عاماً، في ولاية شمال الراين وستفاليا، بالتزامن مع اعتقال مانفريد د.، وهو مسؤول سابق رفيع المستوى في جهاز الاستخبارات، في ولاية بافاريا.
وكان هانينغ قد ترأس “بي إن دي” لمدة سبع سنوات، كما شغل لاحقاً منصباً أمنياً رفيعاً في وزارة الداخلية، ما أتاح له الاطلاع على عدد من أكثر ملفات الدولة حساسية. وعمل مانفريد د. لسنوات مديراً لمكاتب عدد من رؤساء الجهاز.
وتأتي الاعتقالات في إطار قضية تجسس قد تكون من أبرز القضايا التي تواجه جهاز الاستخبارات الألماني في السنوات الأخيرة، في حال ثبوت الاتهامات الموجهة إلى المتهمين.
نحو ألفي وثيقة من داخل الجهاز
لا تتعلق القضية، بحسب ما أعلنته النيابة العامة الاتحادية، بوثيقة واحدة خرجت من الجهاز أو بمعلومة عابرة وصلت إلى مسؤول متقاعد.
فالمحققون يشتبهون في أن هانينغ ومانفريد د. اتفقا منذ ربيع عام 2010 على تزويد الرئيس السابق للجهاز بصورة منتظمة بمعلومات من داخل “بي إن دي”، مقابل المال، بحيث يستطيع استخدامها في نشاطه المهني الخاص كمستشار.
وكان مانفريد د. في موقع يتيح له الوصول إلى معلومات شديدة الحساسية. فقد عمل في وقت سابق مديراً لمكتب هانينغ، ثم رافقه خلال عمله في وزارة الداخلية، قبل أن يعود عام 2012 إلى جهاز الاستخبارات، حيث تولى لاحقاً إدارة مكاتب عدد من رؤساء الجهاز المتعاقبين.
ووفق النيابة الاتحادية، حصل هانينغ بهذه الطريقة، حتى يونيو/حزيران 2022، على نحو ألفي وثيقة، بينها مواد مصنفة سرية ومخصصة للاستخدام الداخلي في جهاز الاستخبارات.
وبعض هذه الوثائق كان يستخدم في إعداد إحاطات للقيادة واجتماعات أمنية واستخباراتية رفيعة المستوى داخل ديوان المستشارية، وهو ما يفسر حساسية الملف وحجم الأسئلة التي تثيرها القضية داخل برلين.
فالمشكلة لا تتعلق فقط بخروج معلومات من جهاز يفترض أن تكون السرية جزءاً من طبيعته، بل أيضاً بالفترة الزمنية الطويلة التي استمر خلالها ذلك، وفق شبهات المحققين، من دون أن ينكشف الأمر.
هل وصلت المعلومات إلى جهاز أجنبي؟
السؤال الأكثر حساسية في التحقيق يتعلق بمصير هذه المعلومات بعد خروجها من جهاز الاستخبارات. النيابة العامة الاتحادية قالت إن هانينغ استخدم في إحدى الحالات معلومات مصنفة حصل عليها من مانفريد د. لإعداد تحليل عن موظف في جهاز استخبارات أجنبي.
ولا يزال المحققون يبحثون فيما إذا كان هذا التحليل قد وصل بالفعل إلى الجهة المقصودة.
كما تتحدث التحقيقات عن اتصالات استمرت سنوات بين هانينغ وشخص ينتمي إلى جهاز استخبارات تابع لدولة أخرى، وأن الرئيس السابق لـ”بي إن دي” زوده بمعلومات سياسية استند جزء منها إلى مواد حصل عليها من داخل الجهاز الألماني.
وحتى الآن، لم تكشف السلطات الألمانية اسم الدولة أو الجهاز الأجنبي المعني.
وكشف التحقيق الصحافي أيضاً أن بعض الوثائق التي عثر عليها المحققون تضمنت معلومات شديدة الحساسية تتعلق بملفات دولية وأمنية، بينها مواد عن البرنامج النووي الإيراني والجيش الروسي، إضافة إلى معلومات قادمة من أجهزة استخبارات شريكة لألمانيا.
قضية أخرى فتحت باب الأسرار
ولعل أكثر جوانب القضية غرابة أن التحقيق في ملف التجسس لم يبدأ أصلاً من جهاز الاستخبارات. فالخيط الأول ظهر خلال تفتيش منزل هانينغ في أيلول/سبتمبر 2025، في سياق تحقيق آخر يتعلق بقضية عائلة سيدة الأعمال الألمانية كريستينا بلوك والنزاع حول حضانة أطفالها.
وتقول النيابة العامة الاتحادية إن مواد عثر عليها خلال ذلك التفتيش دفعت سلطات التحقيق إلى تحويل الملف لاحقاً إلى مستوى اتحادي.
وبحسب ما أوردته وسائل إعلام ألمانية، عثر المحققون خلال فحص المضبوطات على وثائق استخباراتية حديثة لم يكن من المفترض أن تكون بحوزة هانينغ، الذي انتهت ولايته رئيساً للجهاز قبل سنوات طويلة.
من قمة الجهاز إلى دائرة الاشتباه
وتزداد حساسية القضية بالنظر إلى المسيرة المهنية لهانينغ. فقد تولى رئاسة جهاز الاستخبارات الخارجية الألمانية بين عامي 1998 و2005، بعد سنوات من العمل في ديوان المستشارية، حيث شملت مهامه التنسيق بين أجهزة الأمن والاستخبارات.
وبعد مغادرته “بي إن دي”، انتقل إلى وزارة الداخلية وعمل وكيلاً للوزارة حتى عام 2009، قبل أن يتجه إلى القطاع الخاص ويعمل في مجال الاستشارات الأمنية والسياسية.
وتصف “زود دويتشه تسايتونغ” القضية بأنها قد تصبح من أكبر قضايا التجسس التي شهدتها ألمانيا إذا ثبتت الشبهات الحالية، ليس فقط بسبب طبيعة الوثائق، وإنما أيضاً لأن المتهم الرئيسي رجل سبق أن جلس على رأس الجهاز الذي كان يفترض أن يحمي هذه الأسرار.
الجهاز يحقق مع نفسه
من جانبه، أكد رئيس جهاز الاستخبارات الحالي مارتن ييغر أن “بي إن دي” أطلق، فور ظهور المؤشرات الأولى، تحقيقات داخلية واسعة، قبل أن تنتقل القضية إلى السلطات القضائية المختصة. ونقلت وسائل إعلام ألمانية عنه تشديده على أن أمن الجهاز الداخلي لا يحتمل أي تنازلات.
أما الحكومة الألمانية فامتنعت عن الدخول في تفاصيل القضية، مشيرة إلى استمرار التحقيقات. كما بدأت القضية تثير ردود فعل داخل البرلمان الألماني، حيث طالب نواب بكشف كامل للملابسات، ليس فقط لمعرفة حجم المعلومات التي يُشتبه بخروجها من الجهاز، وإنما أيضاً لمعرفة ما إذا كانت القواعد التي تحكم انتقال كبار المسؤولين الأمنيين السابقين إلى القطاع الخاص كافية.
ولا يزال هانينغ ومانفريد د. مشتبهين، ولم تصدر بحقهما إدانة قضائية، كما أن العديد من الأسئلة الجوهرية لا تزال مفتوحة.
وفي مقدمة هذه الأسئلة هوية الجهاز أو الأجهزة الأجنبية التي كانت على اتصال بهانينغ، وما إذا كانت معلومات استخباراتية ألمانية قد وصلت إليها بالفعل. لكن خطورة القضية بالنسبة إلى برلين لا تقاس فقط بما قد يكون خرج من داخل “بي إن دي”. فعالم الاستخبارات يقوم إلى حد كبير على الثقة بين الأجهزة المتعاونة، وعلى ضمان أن المعلومات التي يتم تبادلها ستبقى محمية داخل الدوائر المصرح لها بالاطلاع عليها.


