الرئيسيةSliderمن 24/24 إلى "نبحث إمكانية الاستجرار": ماذا بقي من خطة القوات للكهرباء؟

من 24/24 إلى “نبحث إمكانية الاستجرار”: ماذا بقي من خطة القوات للكهرباء؟

| خلود شحادة | 

يمكن للحكومة الحالية الدخول بكتاب “غينيس” للقرارات العشوائية وغير المفهومة والمدروسة، من قرارات “غب الطلب” بحق المدارس والصروح التربوية، مروراً بامتحانات طلاب الطلبات الحرة المعلقة بانتظار “مزاج الوزيرة”، وليس انتهاء بالقرارات المتعلقة بزيادة الرسوم والضرائب ورفع التسعيرات، بدون أي خطة واضحة تتضمن للمواطن تأمين قوت يومه!

كان يفترض أن يكون ملف الكهرباء اليوم في مكان مختلف تماماً. قبل سنوات، قدّمت “القوات اللبنانية” نفسها بوصفها أحد الأطراف التي دفعت باتجاه خطة للكهرباء قيل إنها ستوصل لبنان إلى تغذية 24/24. بل إن خطابها يومها لم يكن متواضعاً: “التحدي الأساس يكمن في تنفيذ خطة الكهرباء وصولاً إلى كهرباء 24/24″، مع تأكيد أن وضع الخطة على الورق لا يكفي وأن المطلوب ترجمتها وتنفيذها.

سبع سنوات تقريباً مرّت على تلك الوعود، و”القوات” اليوم في صلب الحكومة، فإذا بوزير الطاقة جو الصدّي يقف اليوم ليقول إن المعامل لا تؤمّن سوى ثلث الطلب، وإن الحل يحتاج إلى استثمارات جديدة، فيما يعرض سلسلة أفكار واتصالات لاستجرار الكهرباء من سوريا أو شراء الكهرباء من تركيا عبر سوريا، بالتوازي مع البحث عن الغاز واستثمارات القطاع الخاص.

ولكن.. ما الذي حصل للخطة “الجاهزة” التي كان يُفترض أن تكون “الحل”؟ وكيف انتقل الخطاب من وعود الـ24/24 إلى الحديث عن إمكانات استجرار لم تُحسم بعد، واتصالات مع دول أخرى، وشركات تريد ضمانات مالية وأمنية، وأفكار تحتاج إلى استكمال شروطها قبل أن تصبح مشاريع قابلة للتنفيذ؟

أين شعار “نحنا بدنا كهربا.. ونحنا فينا نجيبا”؟!

المشكلة ليست أن تستجرّ الدولة الكهرباء من سوريا أو تركيا. إذا كان ذلك حلاً مرحلياً قابلاً للتنفيذ ويؤمّن كلفة أفضل وتغذية مستقرة، فلا مشكلة في مبدئه. لكن الفرق كبير بين طرح خيار على الطاولة وبين امتلاك خطة متكاملة. فالخطة ليست “نبحث إمكانية شراء الكهرباء من تركيا عبر سوريا”، وليست “نعمل على تأمين الغاز”، وليست مجرد القول إن 24 شركة مهتمة بالاستثمار. الصدي نفسه تحدث عن شروط يضعها المستثمرون، أبرزها الضمانات المالية والأمنية، وعن مناقصة لمعامل أصغر تقدمت إليها شركات.

سنة ونصف لم تكن كافية لوضع خطة جديدة إن كانت السابقة لا تتناسب مع الوضع الحالي للبنان؟

ما عُرض اليوم، في جزء أساسي منه، هو مسارات عمل وأفكار وخيارات تفاوضية. أما الخطة التي يمكن أن تدخل مناقصة، وتحدد الكميات، ومصادر الطاقة، والكلفة، وشروط التمويل، والمدة، وآلية التنفيذ، والجهة المتعاقدة، وضمانات الدولة، وجدولاً زمنياً واضحاً للوصول إلى التغذية المطلوبة، فهذه مسألة أخرى تماماً.

أما “ازدواجية المعايير” عند القوات، لا تنقضي عند “نحنا بدنا وفينا”، بل تمتد إلى “مسرحيات” رفض فرض الضرائب على المواطنين.

خطاب الصدي نفسه يحمل مفارقة مالية وسياسية تستحق المساءلة. فالوزير يقول من جهة إنه يريد حماية المواطن، ولذلك يطالب بإلغاء رسم الـ300 ألف ليرة على صفيحة البنزين، ومن جهة أخرى يدفع باتجاه تعرفة كهرباء متحركة ترتبط بسعر الفيول، باعتبار أن مؤسسة كهرباء لبنان يجب أن تكون مستدامة مالياً.

قد يكون لكل من الإجراءين مبرره المالي منفرداً، لكن المواطن لا يدفع “الإجراء” منفرداً. هو يدفع فاتورة الكهرباء، وفاتورة المولد، وكلفة النقل والمحروقات، ثم يدفع ارتفاع أسعار السلع والخدمات الناتج عن كلفة الطاقة. لذلك فإن السؤال السياسي ليس فقط: هل التعرفة المتحركة صحيحة محاسبياً؟ بل: ما هي الخطة التي ستضمن أن يدفع اللبناني أكثر مقابل كهرباء أفضل، لا أن يدفع أكثر فقط؟

وبالتالي، هذا التضارب بالموقف ينم عن واحد من اثنين، إما أن وزراء “القوات” لا خبرة لديهم في إدارة وزاراتهم، وبالتالي هذا يفتح استفسارات حول طبيعة الأسماء التي رفعتها “القوات” لتولّي الوزارات، أو أن “القوات” تعتمد مبدأ “اكذب اكذب حتى يصدقك الناس”.

وفي الحالتين.. “مش رايحة الا عالمواطن”.

وهنا أيضاً لا يكفي أن يقول الوزير إن وزارته لم تحصل على سلف خزينة. فعدم العودة إلى نموذج السلف لا يشكل بحد ذاته إصلاحاً لقطاع الكهرباء، خصوصاً أن الانتقال من تمويل العجز إلى تحميل الكلفة للمستهلك يحتاج إلى خدمة كهربائية مستدامة وإنتاج كافٍ وجباية فعالة ومعالجة للهدر. والصدّي نفسه أقر اليوم بأن الهدر غير الفني يصل إلى نحو 30 في المئة.

أما تحويل هذا الواقع إلى مادة للتباهي السياسي، فيتجاهل أن مشكلة تمويل كهرباء لبنان ليست وليدة الوزارة الحالية، وأن إصلاح نموذج التمويل كان موضع نقاش منذ سنوات. الإنجاز لا يكون بمجرد عدم طلب سلفة، بل بأن تصبح المؤسسة قادرة فعلاً على إنتاج الكهرباء وبيعها وجبايتها وإدارة كلفتها من دون أن يعود العجز إلى الخزينة أو إلى جيوب الناس.

وفي المقابل، لا تستطيع “القوات” أن تختبئ خلف هذه الحقيقة لتتنصل من مسؤوليتها السياسية عن مرحلة رفعت فيها سقف التوقعات. فالحزب لم يقل للبنانيين يومها إن لديه “أفكاراً” للكهرباء، بل تحدث عن خطة جاهزة للتنفيذ.

 

وبعد سنوات، السؤال البديهي هو: أين أصبحت تلك الخطة؟

لأن اللبناني لا يحتاج اليوم إلى أن يسمع من جديد أن هناك “إمكانية” لاستجرار الكهرباء، أو أن هناك “اهتماماً” من شركات، أو أن هناك “بحثاً” في الغاز، أو أن هناك شروطاً أمنية ومالية للمستثمرين. هذه كلها عناوين يمكن لأي فريق سياسي أن يضعها على الطاولة. ما يحتاجه هو خطة تنفيذية مكتملة، بأرقامها وعقودها ومناقصاتها وتمويلها وجدولها الزمني، يمكن مساءلة أصحابها على أساس نتائجها.

من “سنصل إلى 24/24” في 6 أشهر إلى “نبحث إمكانية شراء الكهرباء عبر سوريا” بعد سنة ونصف، المسافة ليست تفصيلاً تقنياً. إنها المسافة بين الوعد بالخطة وبين القدرة على تنفيذها.

وفي بلد دفع مليارات الدولارات على الكهرباء، ودفع فاتورتين وثلاثاً مقابل كهرباء لا تأتي، لم يعد مقبولاً أن تستمر إدارة هذا الملف بمنطق “الأفكار” و”الاتصالات” و”الاحتمالات”. المطلوب مشروع واضح يمكن وضعه على طاولة المناقصة، لا مؤتمر صحافي جديد يشرح للبنانيين لماذا لا تزال الخطة المقبلة بحاجة إلى خطة.

شريط الأحداث