لم يتبلّغ لبنان من الولايات المتحدة الأميركية، رسمياً، تأكيداً لموعد الجولة الثامنة من المفاوضات المباشرة بين لبنان و”إسرائيل”، والتي كانت مصادر رسمية لبنانية كشفت تلقيها من الخارجية الأميركية موعداً مبدئياً لهذه الجولة التي تقتصر على الجانب العسكري، في 20 تشرين الأول الجاري، مقر القيادة العسكرية الأميركية في مدينة تامبا بولاية فلوريدا الأميركية.
وفي حين كان مستغرباً تحديد موعد هذه الجولة على بُعد أسبوع واحد من الانتخابات الإسرائيلية، وما يمكن أن تحقّقه في ظل الضغط الانتخابي على اليمين الإسرائيلي المتطرف برئاسة بنيامين نتنياهو، فإن مصادر رسمية لبنانية بدت متردّدة في حسم حصول هذه الجولة التفاوضية، خصوصاً أنها أيقنت أنها لن تحقّق أي تقدّم على مسارات الانسحاب الإسرائيلي وإعادة النازحين وإطلاق الأسرى، وأن أميركا لن تضغط على نتنياهو في هذا التوقيت الحرج لتقديم تنازلات تضّر به انتخابياً.
وقد التقط الرئيس السابق لـ”الحزب التقدمي الاشتراكي” وليد جنبلاط حالة المراوحة في التفاوض مع “إسرائيل”، وحذّر من “التفاوض من أجل التفاوض”.
وكتب جنبلاط على “إكس”: “يبدو أننا دخلنا في حلقة التفاوض من أجل التفاوض، وفي كل جلسة سيتلقى الوفد اللبناني مطالب جديدة، لذا أنصح بأن نستفيد من مسار أوسلو وأن نعمّق التنسيق مع مقاطعة رام الله”.
وقبل أن تنطلق الاجتهادات في تفسير أبعاد “نصيحة” جنبلاط، سارع إلى دق جرس إنذار من تجربة مفاوضات أوسلو بين إسرائيل” والفلسطينيين، عندما كانت تذهب بعض الأرض وتتغير ملامحها مع كل جولة مفاوضات. وأوضح جنبلاط في تغريدة لاحقة أن “مسار أوسلو، هو التفاوض من أجل التفاوض وصولاً إلى تثبيت الحقوق في الأرض. إلا أنّ الديبلوماسيين لاحظوا أنه كلما جرت جولة من المفاوضات، ذهب بعض من الأرض وتغيّرت ملامحها”، معتبراً أنه “وجب على كبار المستشارين والقانونيين التوقف عند هذه الجدلية العجيبة، حفاظاً على أوسلو وتفرعاته في فلسطين ولبنان”.
وكانت مفاوضات أسلو التي حصلت في مطلع التسعينيات، قد انتهت بمعادلة “غزة وأريحا أولاً”، ومشروع إقامة حكم ذاتي فلسطيني وسمحت بعودة ياسر عرفات وقيادات منظمة التحرير الفلسطينية إلى فلسطين. لكنّ “إسرائيل” بتلك المفاوضات خرجت من تحدّي انتفاضة الحجارة التي أنهكتها داخلياً وفضحت صورتها على مستوى العالم، ثم منعت قيام “دولة فلسطينية”، واستدرجت ياسر عرفات إلى التخلّي عن الكفاح المسلّح لصالح “السلام” وإقامة “الدولة”، ثم وضعته تحت الإقامة الجبرية حتى وفاته. أما محمود عباس فهو رئيس بلا دولة مستقلّة، وغزة مدمّرة، وحلّ الدولتين ترفضه “إسرائيل” بالمطلق.
وقد جاء تحذير جنبلاط بمثابة سهم أصاب مباشرة المفاوضات المباشرة، وبالتالي أسقط الحاجة إلى جولات تفاوضية تدور في حلقة مفرغة، بينما تواصل “إسرائيل” التدمير المنهجي لكل معالم الحياة في جنوب لبنان “تحت سقف التفاوض” و”اتفاق الإطار”.
ولم تكن إشارة جنبلاط إلى مفاوضات أوسلو إلا دعوة للسلطة السياسية إلى وقف الرهانات على دور أميركي للضغط على “إسرائيل” لتحقيق الانسحاب من الجنوب، لأن التجارب السابقة من التفاوض مع “إسرائيل”، و”اوسلو” نموذجاً، تؤكّد عدم جداوها طالما أن “إسرائيل” تستغلّ التفاوض لتكريس احتلالها وتغيير معالم الأرض وفرض مطالب إضافية، بينما المطلوب من لبنان العودة إلى سقف اتفاقية الهدنة لعام 1949 واتفاق الطائف والقرار 1701 مرجعيةً لحماية الحقوق اللبنانية، ويفصل بين هذا الأمر وبين “حصرية السلاح”، الذي يعتبره جنبلاط شأناً لبنانياً تحكمه أحكام الدستور والطائف، ويُعالج بالحوار تحت سقف الدولة، لا ذريعةً لإدامة الاحتلال.


