“كان هو المحور الذي يدور حوله محور كامل – وعندما سقط، بدأت الأرض في التحرك”.
بهذه العبارة، يختصر مؤلفا كتاب “نصرالله: الأساطير لا تموت؟”، للعميد الإسرائيلي ش. والدكتور الإسرائيلي ك.، وتحرير عادي ليرنر، والصادر عن دار نشر وزارة الحرب الإسرائيلية، رؤيتهما للأمين العام لـ”حزب الله” الشهيد حسن نصر الله.
ثم تأتي مقدمة الكتاب لتعكس تلك الانطباعات:
“لم يكن حسن نصر الله مجرد زعيم قوي لمنظمة “حزب الله”، بل كان رمزاً أسطورياً للقوة والشجاعة والكاريزما والعزيمة والتضحية. كان مهندس ومحرك “محور المقاومة” الذي ربط بيروت ودمشق وطهران وغزة وبغداد وصنعاء، شخصية لا يمكن تجاهل حضورها وتأثيرها على الشرق الأوسط في القرن الحادي والعشرين.
هذا أول كتاب باللغة العبرية يتناول حياة حسن نصر الله، وهو ثمرة تحقيق مطول في شخصية أحد أكثر أعداء “إسرائيل” دهاءً وعنادًا وضراوة. يروي الكتاب، من خلال مزيج من المعلومات الاستخباراتية والتحليل الاستراتيجي الأكاديمي، قصة رجل تذبذب بين الإيمان الراسخ والسلطة المطلقة، وبين الثقة المفرطة والشك الوجودي، وبين الرؤية الثورية وواقع متصدع ومهدد.
بين صفحات الكتاب، تتكشف رحلة فتى شيعي مغمور من ضواحي بيروت، شقّ طريقه نحو قمة المجد والمركز السري للمحور الإيراني، حتى أصبح الزعيم الشيعي الأبرز والأكثر نفوذاً في العالم العربي. ومن خلال الغوص في المراحل الرئيسية من حياته، تتكشف شخصية نصر الله المتعددة الأوجه والمتناقضة: رسول ديني وفكري لملايين الناس، وعدو شرس شكّل تهديداً استراتيجياً من الدرجة الأولى لكثيرين غيرهم.
لم يعد هذا الكتاب سيرةً ذاتيةً أو صورةً لعدو، بل هو نافذةٌ على عقل وإيمان وأفعال الرجل الذي حوّل “حزب الله” من جيشٍ خفيّ إلى إمبراطورية، وجعله هو نفسه شخصيةً اعتُبرت عصيةً على الانهيار لسنواتٍ طويلة. إنها قصةٌ عن التلاقي بين السلطة والإيمان، والصدام بين الرؤية المسيانية والغطرسة السياسية، لشخصٍ شكّل الساحة التي عمل فيها لعقود، والذي قوّض موته أسسها وكشف عن تصدّعاتٍ عميقةٍ فيها.
برحيله، ربما طُويت صفحة الماضي، لكنّ علامات استفهام كبيرة أُثيرت حول مستقبل “حزب الله”، و”محور المقاومة”، والمنطقة بأسرها. فموته لم يكن مجرد حدث عابر، بل لحظة تاريخية فارقة هزّت أركان العالم وأفضت إلى ظهور واقع جديد. لفهم تداعياته الاستراتيجية على الشرق الأوسط، بالأمس واليوم، وربما غدًا، لا بدّ من فهم شخصية حسن نصر الله”.
وفي ما يلي مقال في موقع “قدس” تناول مضمون الكتاب ونقده.
![]()
| فيروز سلامة |
يتناول كتاب “نصرالله: الأساطير لا تموت؟” للعميد الإسرائيلي ش. والدكتور الإسرائيلي ك.، وتحرير عادي ليرنر، مسيرة السيد حسن نصرالله ودوره في نشأة “حزب الله” وتطوره، ضمن سياق تاريخي وسياسي وأمني يمتد من التحولات الداخلية في لبنان ونشأة المقاومة، إلى المواجهات مع الاحتلال، وحرب 2006، والحرب السورية، وصولاً إلى الحرب التي أعقبت 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 واستشهاد نصرالله في 27 سبتمبر/أيلول 2024. ولا يقتصر الكتاب على تقديم سيرة شخصية، بل يربط مسيرة نصرالله بتاريخ الحزب ولبنان والصراع مع الاحتلال، مع التركيز على طبيعة قيادته، وتطور قوة “حزب الله”، ومفاهيم الردع والمواجهة.
وتقوم المراجعة على قراءة الكتاب بوصفه محاولة لفهم نصرالله و”حزب الله” من منظور أمني إسرائيلي، مع التوقف عند الطريقة التي أعاد بها المؤلفان بناء هذه المسيرة، واختياراتهما للسياقات والأحداث والمصادر، وما تكشفه هذه القراءة عن صورة الخصم في المعرفة الأمنية الإسرائيلية. كما تتناول المراجعة بنية الكتاب وتحولاته، وصولا إلى نهايته التي أعيدت صياغتها في ضوء الحرب واستشهاد نصرالله، لفحص أطروحته وموقعه من التاريخ الذي يتناوله.
ولا يقدم الكتاب سيرة شخصية للسيد نصرالله بالمعنى الضيق، بل يضعه داخل تاريخ أوسع يبدأ من لبنان وتركيبته الطائفية والاجتماعية والسياسية، وصعود الشيعة والسيد موسى الصدر وحركة “أمل”، والحرب الأهلية والحضور الفلسطيني والتدخل السوري، وصولاً إلى الاحتلال والاجتياحات الإسرائيلية ونشأة “حزب الله” كقوة مقاومة وعلاقته بإيران. ومن هذه الخلفية يتتبع صعود السيد نصرالله داخل الحزب وتطور قيادته وموقعه في مواجهة ومقاومة “إسرائيل”، وصولاً إلى الانسحاب الإسرائيلي عام 2000 وتحرير الجنوب اللبناني، وحرب 2006، والحرب السورية، وتطور القوة العسكرية ومعادلات الردع، ثم الحرب التي أعقبت 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 واستشهاده في 27 سبتمبر/أيلول 2024. وبذلك يتداخل في الكتاب تاريخ السيد نصرالله مع تاريخ “حزب الله” ولبنان والصراع مع “إسرائيل” كقوة احتلالية، لكن ضمن منظور يمنح السؤال الإسرائيلي عن الخصم وقوته وسبل فهمه موقعاً مركزياً.
وتستعرض بنية الكتاب هذا المنطق؛ إذ تنتظم فصوله في مسار يبدأ بـ”السياق”، ثم “النمو”، و”الترسخ”، و”التجسيد”، و”الهيبريس”، و”الدوامة”، و”الاضطراب”، و”الردع”، و”البقاء”، و”نشوة القوة”، و”حسن نصرالله – النسخة التي لم تُبث”، و”النهاية”، قبل كلمة أخيرة بعنوان “من ينهض لقتلك، بادر إلى قتله ـ هل تغيرنا حقاً؟” وقائمة المصادر. ولا تبدو هذه العناوين مجرد تقسيم زمني للمادة؛ فهي تمنح التاريخ اتجاهاً تفسيرياً يبدأ من شروط النشوء والصعود وتراكم القوة، ويمر باختباراتها وتحولاتها، وينتهي إلى استشهاد نصرالله وإعادة النظر في المسار كله من موقع نهايته وفق المنظور الإسرائيلي.
وتزداد هذه المسألة أهمية لأن الكتاب لم يُكتب بعد استشهاد السيد نصرالله، بل تغيرت نهايته بفعل استشهاده. ففي “فاتحة الكتاب” يوضح المؤلفان أن الحرب التي بدأت في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 قطعت مسار العمل على مخطوط كان قد تقدم بالفعل، قبل أن يعود المؤلفان إليه في ضوء الحرب واستشهاد السيد نصرالله ويعيدا صياغة نهايته. كما يكشفان أن النسخة السابقة كانت تنتهي بموقف صريح يرى أن نصرالله ينبغي أن “يموت”. وهنا يصبح البعد الأمني للكتاب جزءًا من بنيته المعرفية نفسها: فالمؤلفان لا يكتبان عن نصرالله من خارج المواجهة معه، بل من داخل علاقة تجمع بين دراسة الخصم وفهم قدراته وخطابه وبين التفكير الإسرائيلي في مواجهته. ولذلك لا يمكن التعامل مع الكتاب، أو مع “إسرائيل” في التاريخ الذي يرويه، بوصفهما في موقع محايد؛ فالاحتلال والاستعمار والمواجهة العسكرية ليست خلفية خارجية للسرد، وإنما من الشروط التي تشكل داخلها موضوع الكتاب والمعرفة المنتجة عنه.
ومن هنا تنطلق هذه المراجعة من سؤال يتجاوز مقدار المعلومات التي يقدمها الكتاب عن السيد نصرالله و”حزب الله” إلى كيفية إنتاجها وتنظيمها: كيف يعاد بناء تاريخ نصرالله و”حزب الله” ولبنان داخل منظور أمني إسرائيلي؟ وكيف يؤثر هذا الموقع في اختيار السياقات، وتوزيع الأهمية والسببية، وصياغة مفاهيم القوة والتهديد والردع؟ وما الذي يكشفه الكتاب عن نصرالله، وفي الوقت نفسه عن المعرفة الإسرائيلية التي سعت إلى فهمه ومواجهته؟ وعلى هذا الأساس، يصبح فحص منهج الكتاب ومصادره والموقع الأمني لمؤلفيه مدخلاً ضرورياً قبل الانتقال إلى عرض فصوله وأطروحته وتحليلها نقدياً.
* المنهج والمصادر وموقعية المؤلفين
منهجياً، لا يبني المؤلفان الكتاب كسيرة تقليدية للسيد حسن نصرالله، بل كمسار تفسيري يصل بين الشخصية والتنظيم والبيئة والصراع. فهما ينتقلان بين التاريخ اللبناني وتحولات المجتمع الشيعي، ونشأة “حزب الله” وتطوره، والسيرة الشخصية والسياسية للسيد، وبين خطابه وقيادته وقراراته وعلاقاته الإقليمية ومواجهته مع “إسرائيل”. ويتيح هذا التركيب قراءة السيد من خلال السياق الذي تشكل فيه، وقراءة تحولات الحزب من خلال قيادته، لكنه يتجاوز السرد التاريخي حين يحاول إعادة بناء منطقه الاستراتيجي: كيف قرأ “إسرائيل” ومجتمعها، وكيف فهم القوة والردع، وكيف اتخذ القرار وأدار المواجهة. وهنا يتداخل التاريخ والسيرة مع تحليل الخصم، إذ لا يكتفي الكتاب بتوثيق ما حدث، بل يسعى إلى تفسير المنطق الذي يعتقد المؤلفان أنه حكم سلوك السيد و”حزب الله”.
وتستند هذه القراءة إلى قاعدة مصدرية متنوعة تظهر في الإحالات الممتدة داخل الفصول. فالكتاب يستخدم كتباً ودراسات وأبحاثاً، ومواد صحافية وإعلامية إسرائيلية وعربية وأجنبية، إلى جانب خطابات السيد ومقابلاته وتصريحاته، ومواد مرتبطة بـ”حزب الله”، وأخرى تتصل بالفاعلين والمؤسسات الإسرائيلية وبالحروب والمواجهات التي يتناولها.
كما تكشف صفحات “الشكر” أن المادة لا تقوم على المصادر المنشورة وحدها، فالمؤلفان يربطان الكتاب بمعرفة تراكمت خلال نحو ثلاثة عقود من الاشتغال على لبنان و”حزب الله” والسيد نصرالله، ويشيران إلى لقاءات ومحادثات وخبرات مهنية، وإلى مساهمة عدد كبير من العسكريين والباحثين وأصحاب الخبرة بالمعلومات والأفكار والقراءة والنقد.
وبذلك تجمع المادة التي يستند إليها الكتاب بين المصادر المنشورة وبين معرفة مهنية وأمنية متراكمة، وهو تداخل يمنح المؤلفين مادة واسعة، لكنه يجعل التمييز ضرورياً بين ما تثبته المادة المصدرية، وما يستند إلى الخبرة المهنية، وما ينتجه المؤلفان من تفسير لهذه المواد.
أما موقعية المؤلفين، فلا يمكن اختزالها في كونهما ينظران إلى السيد و”حزب الله” من زاوية أمنية إسرائيلية، لأن هذه الزاوية نفسها تشكلت داخل تاريخ مادي من الاحتلال والاجتياح والحرب والمواجهة في لبنان. فـ”إسرائيل” ليست مراقباً خارجياً للبيئة التي يدرسها الكتاب، بل فاعلاً في جانب أساسي من التاريخ الذي يعيد المؤلفان بناءه، وهو ما يجعل العلاقة بين المعرفة والاحتلال ضرورية لفهم طبيعة هذا المشروع. فالمعرفة بالسيد تتجه بصورة متكررة إلى تحديد مصادر قوته، ومنطق قراره، وطريقته في قراءة “إسرائيل”، وتصوراته للردع ونقاط القوة والضعف، فيما تتحول المواجهات المتعاقبة إلى مجال لاختبار ما عرفته “إسرائيل” عن خصمها وما أخطأت في تقديره. ومن ثم، لا تنفصل المعرفة الأمنية التي ينتجها الكتاب عن السياق الاستعماري الأوسع الذي تشكلت داخله علاقة “إسرائيل” بلبنان والمقاومة، ولا عن الحاجة العملية إلى معرفة الخصم في سياق مواجهته.
ولا يعني ذلك اختزال الكتاب مسبقاً في خلفيته الأمنية والاستعمارية، كما لا يعني التعامل مع كل ما يقدمه بوصفه انعكاساً مباشراً لها. فالقيمة النقدية لهذه الموقعية تظهر تحديداً عند اختبار أثرها داخل النص: ما الذي تتيحه الخبرة الإسرائيلية المتراكمة من معرفة دقيقة بالسيد و”حزب الله”؟ وما الذي يصبح مرئياً لأن له أهمية أمنية بالنسبة إلى “إسرائيل”، وما الذي يتراجع إلى الهامش؟ وكيف توزَّع الفاعلية والسببية بين الاحتلال والمقاومة والفاعلين اللبنانيين والإقليميين؟ وأين تنتهي دلالة الوقائع والمصادر وتبدأ القراءة الأمنية التي تنتقيها وترتبها وتمنحها معناها؟ بهذه الأسئلة يصبح السياق الأمني والاستعماري جزءًا من تحليل الكتاب، من دون أن يحل محل تحليل مادته أو أن يتحول إلى حكم جاهز عليها.
* عرض الكتاب: الفصول في تسلسلها:
من السياق اللبناني إلى تشكل “حزب الله” وصعود السيد نصرالله
يبني الكتاب مدخله إلى السيد حسن نصرالله من تاريخ لبنان نفسه، فلا يبدأ سيرته بوصفها مساراً فردياً منفصلاً، بل يعود في فصل “السياق” إلى تشكل الدولة اللبنانية وتركيبتها الطائفية واختلالات نظامها السياسي والاجتماعي، قبل أن يركز على الموقع الذي شغله الشيعة داخل هذا النظام. وفي هذا البناء، تظهر البيئة الشيعية بوصفها جماعة عانت تاريخياً من التهميش السياسي والاجتماعي والاقتصادي، قبل أن تدخل منذ ستينيات وسبعينيات القرن العشرين مرحلة متسارعة من التعبئة والتنظيم. ويمنح المؤلفان السيد موسى الصدر موقعاً مركزياً في هذا التحول، من خلال دوره في بناء مؤسسات شيعية وتطوير خطاب سياسي واجتماعي يسعى إلى تحويل الشيعة من جماعة مهمشة إلى قوة منظمة تطالب بموقعها داخل النظام اللبناني، ثم من خلال نشوء حركة “أمل” وتنامي حضورها. وهكذا يجعل الكتاب التحول في موقع الشيعة مقدمة أساسية لفهم البيئة التي سيخرج منها “حزب الله” لاحقاً، ولا يتعامل مع نشأته بوصفها حدثاً منفصلاً عن التحولات السابقة عليه.
غير أن هذا التحول يجري، في سرد الكتاب، داخل لبنان أخذت توازناته الداخلية تتفكك بفعل الحرب الأهلية وتعدد القوى المسلحة والتدخلات الخارجية والحضور الفلسطيني والصراع مع “إسرائيل”. ويخصص المؤلفان مساحة واسعة للحضور الفلسطيني المسلح وللحرب الأهلية والاجتياحات الإسرائيلية، وصولاً إلى اجتياح عام 1982، الذي يشكل منعطفاً أساسياً في الرواية التي يقدمانها عن نشأة “حزب الله”. فالكتاب لا يفصل نمو المقاومة الشيعية عن الوجود العسكري الإسرائيلي في لبنان، بل يربط تصاعدها بالاجتياح والاحتلال وما ولّداه من شروط للمواجهة، بالتوازي مع عامل آخر يمنحه المؤلفان أهمية كبيرة هو الثورة الإيرانية وما أعقبها من حضور لـ”الحرس الثوري” الإيراني ودوره في دعم القوى الإسلامية الشيعية الناشئة. وفي هذا السياق أيضاً يبرز الانقسام داخل حركة “أمل”، ولا سيما الخلاف حول التعامل مع الاجتياح الإسرائيلي والمشاركة في “هيئة الإنقاذ الوطني”، بوصفه أحد المسارات التي دفعت شخصيات ودوائر إسلامية شيعية إلى البحث عن إطار مختلف انتهى إلى تبلور “حزب الله”. وبذلك لا يقدم الكتاب ولادة الحزب كنتيجة لعامل منفرد، بل عند تقاطع التحول الداخلي للبيئة الشيعية مع الحرب والاحتلال والصراع داخل أمل وتأثير الثورة الإيرانية ودعم إيران.
داخل هذه البيئة يبدأ فصل “النمو” في إدخال السيد نصرالله نفسه إلى مركز السرد. ويتتبع المؤلفان نشأته وجذور عائلته، وتدينه المبكر وانجذابه إلى الدراسة الدينية، ثم انتقاله إلى النجف، حيث يضع الكتاب علاقته بالسيد عباس الموسوي ضمن المحطات المهمة في تكوينه الديني والسياسي. وبعد عودته إلى لبنان وانخراطه في حركة “أمل”، يصبح مساره الشخصي متشابكاً بصورة متزايدة مع التحولات التي كانت تعصف بالحركة الشيعية نفسها. ومن هنا لا يسير الكتاب في خطين منفصلين، أحدهما لسيرة السيد والآخر لنشأة “حزب الله”؛ بل ينسج الاثنين معاً: فكلما تتقدم عملية تشكل التنظيم، يتقدم معها موقع السيد داخله، من ناشط ديني وسياسي شاب إلى أحد الكوادر الذين يرتبط مسارهم بالمشروع الإسلامي الذي أخذ يتبلور خارج “أمل”.
ومع انتقال الكتاب إلى فصل “الترسخ”، يكون “حزب الله” قد تجاوز مرحلة التشكل الأولى، ويصبح السؤال هو كيف تحول إلى قوة قادرة على تثبيت حضورها العسكري والسياسي والاجتماعي. وتحتل المواجهة مع “إسرائيل” موقعاً متزايداً في هذا المسار؛ إذ يتابع المؤلفان عمليات المقاومة ضد الوجود الإسرائيلي في الجنوب، إلى جانب الصراع الداخلي مع حركة “أمل”، والعلاقات المعقدة مع سوريا وإيران، والتحولات التي قادت الحزب إلى المشاركة في النظام السياسي اللبناني بدل البقاء خارجه. ويعرض الكتاب هذه المشاركة لا بوصفها تخلياً بسيطاً عن هويته السابقة، وإنما باعتبارها جزءاً من عملية تكيّف مكّنته من الجمع بين استمرار المقاومة وتوسيع موقعه داخل لبنان. وهكذا يصبح “الترسخ” وصفاً لتحول متعدد المستويات: تنظيم مسلح يرسخ قدراته في مواجهة “إسرائيل”، وحركة توسع قاعدتها ومؤسساتها، وفاعل يدخل المجال السياسي اللبناني من دون أن يتخلى عن بنيته العسكرية وعلاقاته الإقليمية.
ويتوازى ترسخ الحزب مع صعود السيد نصرالله داخله، وصولاً إلى توليه الأمانة العامة بعد استشهاد السيد عباس الموسوي عام 1992. ومن هذه اللحظة يزداد حضور شخصيته في تفسير المؤلفين لمسار الحزب؛ فلا يعود مجرد واحد من أبنائه أو كوادره، بل تبدأ القيادة والخطاب والقرار العسكري والسياسي بالتجمع بصورة أوضح حول شخصيته. ويتابع الكتاب خلال التسعينيات المواجهة المستمرة مع “إسرائيل” والعمليات العسكرية في الجنوب والجولات التصعيدية، بالتوازي مع محاولات الحزب تثبيت حضوره في الداخل اللبناني. وفي هذه المرحلة يبدأ أيضاً بناء إحدى السمات التي ستصبح مركزية في صورة السيد في بقية الكتاب: اهتمامه بـ”إسرائيل” نفسها، ومتابعته لمجتمعها وإعلامها ونقاشاتها الداخلية، ومحاولته قراءة أثر عمليات المقاومة في الجنود والجمهور وصنّاع القرار الإسرائيليين. وبذلك لا يقدم المؤلفان صعوده باعتباره نتيجة موقع تنظيمي فقط، بل باعتباره صعود قائد أخذ يربط إدارة المقاومة بفهم الطرف الذي يواجهه.
وعند نهاية “الترسخ” تكون نقطة البداية التي رسمها الكتاب قد تغيرت جذرياً: البيئة الشيعية التي بدأ عرضها من موقع التهميش أصبحت حاضنة لقوة سياسية وعسكرية منظمة؛ و”حزب الله” الذي ظهر في قلب الحرب والاجتياح والاحتلال أصبح فاعلاً ثابتاً في لبنان وفي المواجهة مع “إسرائيل”؛ والسيد نصرالله الذي دخل السرد من طفولته وتكوينه الديني أصبح أميناً عاماً وقائداً يحتل موقعاً متزايداً في إدارة هذه المواجهة.
ومن هنا يهيئ الكتاب انتقاله إلى المرحلة التالية، حيث لن يعود السؤال الأساسي كيف تشكل الحزب أو كيف صعد السيد داخله، بل ماذا أنتج تراكم هذه القوة في المواجهة مع “إسرائيل”، وكيف ستتطور المقاومة والصراع مع الوجود الإسرائيلي في الجنوب اللبناني في المرحلة اللاحقة.
من إنجاز المقاومة إلى تحولات القوة واتساع المواجهة
في فصل “التجسيد” ينتقل الكتاب من مرحلة ترسخ “حزب الله” إلى اللحظة التي يرى فيها المؤلفان أن المشروع الذي بُني خلال السنوات السابقة بدأ يحقق نتائج استراتيجية ملموسة. ويحتل الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في أيار/مايو 2000 مركز هذه المرحلة؛ إذ يعرضه الكتاب باعتباره نتيجة لمسار طويل تداخلت فيه عمليات المقاومة والخسائر الإسرائيلية والضغط الذي مارسته قضية الوجود في لبنان على المجتمع والسياسة في “إسرائيل”. ويولي المؤلفان أهمية خاصة للطريقة التي قرأ بها السيد نصرالله هذا الانسحاب، إذ رأى فيه دليلًا على إمكان التأثير في “إسرائيل” عبر استهداف قدرتها على تحمّل حرب طويلة وخسائر بشرية مستمرة. ومن هنا تتحول تجربة تحرير الجنوب، في بناء الكتاب، من إنجاز ميداني إلى مصدر لاستنتاج استراتيجي أوسع لدى السيد و”حزب الله” بشأن طبيعة المجتمع الإسرائيلي وحدود قدرته على الاحتمال.
ولا يمثل عام 2000 في هذا السرد نهاية الصراع، بل بداية مرحلة جديدة يعيد فيها “حزب الله” تعريف مبررات استمرار المقاومة بالتوازي مع توسيع قوته العسكرية وترسيخ موقعه السياسي الداخلي. ويتابع الكتاب مزارع شبعا وقضية الأسرى والعمليات اللاحقة على الحدود، إلى جانب تعاظم القدرات العسكرية، ولا سيما الصاروخية، وتعميق العلاقة مع إيران وسوريا. وفي الوقت نفسه يركز على تطور قراءة السيد لـ”إسرائيل”، مقابل تطور التفكير الإسرائيلي في كيفية التعامل مع قوة “حزب الله” المتنامية. ويصل هذا المسار إلى التحولات اللبنانية التي أعقبت اغتيال رفيق الحريري وخروج القوات السورية عام 2005، ثم إلى المواجهة الكبرى في العام التالي.
ومن هنا يبدأ فصل “الهيبريس”، حيث تتحول الثقة المتراكمة إلى موضوع للاختبار. ويحمل اختيار هذا العنوان دلالة واضحة في بناء الكتاب؛ فالهيبريس يحيل إلى الثقة المفرطة بالقوة والقدرة التي قد تقود إلى تجاوز الحدود وسوء تقدير المخاطر. ومن ثم، ينتقل المؤلفان من مرحلة “التجسيد” وما راكمته من شعور بالإنجاز والقوة إلى اختبار حدود هذه الثقة. ويضع الكتاب عملية أسر الجنديين الإسرائيليين في 12 تموز/يوليو 2006 وما أعقبها من حرب في مركز هذا التحول، متتبعاً أداء “حزب الله” وإدارة السيد للخطاب والمواجهة، وفي المقابل الاختلالات الإسرائيلية في الاستعداد والقيادة وصنع القرار وإدارة العمليات. ولا يبني المؤلفان الحرب بوصفها اختباراً لطرف واحد؛ بل باعتبارها مواجهة كشفت حدود تصورات مسبقة لدى الطرفين. ففي “إسرائيل” فتحت الحرب نقاشاً واسعاً حول أداء الجيش والقيادة، بينما أثبت “حزب الله” قدرته على الصمود ومواصلة إطلاق الصواريخ، لكنه واجه أيضاً حجماً كبيراً من الدمار والخسائر والتبعات الداخلية. وفي هذا السياق يستعيد الكتاب تصريح السيد اللاحق بأنه لو علم أن عملية الأسر ستقود إلى حرب بهذا الحجم لما أقدم عليها، باعتباره مؤشراً على الفجوة بين حسابات ما قبل الحرب والنتائج التي أنتجتها.
أما فصل “الدوامة” فيوسع مجال السرد بعد حرب 2006. فمن اغتيال عماد مغنية عام 2008، إلى أحداث أيار/مايو واتفاق الدوحة، يتابع الكتاب تعاظم موقع “حزب الله” داخل النظام اللبناني بالتوازي مع إعادة بناء قدراته العسكرية وتوسيع ترسانته الصاروخية. ثم تبلغ هذه الحركة مستوى جديداً مع الحرب السورية، حيث ينتقل الحزب تدريجياً إلى تدخل عسكري مباشر إلى جانب النظام السوري. ويمنح المؤلفان هذا التحول أهمية كبيرة لأنه وسّع مجال عمل الحزب خارج لبنان، ومنحه خبرة قتالية جديدة، وفي الوقت نفسه حمّله خسائر وتبعات سياسية واجتماعية، وربط موقعه بصورة أوضح بإيران ومحور المقاومة وبالصراع الإقليمي الأوسع.
ويعود الصراع مع “إسرائيل” إلى واجهة السرد في نهاية هذه المرحلة، لكن ضمن معادلة تختلف عن مرحلة الاحتلال المباشر للجنوب. فالكتاب يتابع العمل الإسرائيلي ضد تعاظم قدرات “حزب الله” وإيران في سوريا، مقابل سعي السيد إلى تثبيت قواعد للرد والردع من دون الانجرار بالضرورة إلى حرب شاملة. وتظهر عمليات الاحتكاك المتعاقبة، وصولاً إلى الأنفاق على الحدود والتوترات اللاحقة، باعتبارها تعبيرًا عن علاقة يحاول فيها كل طرف العمل ضد الآخر وفي الوقت نفسه تقدير الحدود التي قد يؤدي تجاوزها إلى حرب واسعة. وبذلك تتحرك الفصول الثلاثة من “التجسيد”، حيث تعززت الثقة بفاعلية المقاومة، إلى “الهيبريس” واختبار حرب 2006، ثم إلى “الدوامة” التي اتسعت فيها ساحات قوة “حزب الله” وأدواره اللبنانية والإقليمية. وعند هذه النقطة لم يعد السؤال الذي يحكم السرد هو كيف نشأ الحزب وترسخ، بل ماذا أنتج تراكم قوته، وكيف غيّر موقع السيد والحزب وطبيعة المواجهة مع إسرائيل، وهو ما يمهد للمرحلة التالية من الكتاب.
من اضطراب الداخل إلى تثبيت الردع واختبار البقاء
يفتتح فصل “الاضطراب” مرحلة مختلفة من مسار الكتاب، إذ تنتقل بؤرة السرد إلى لبنان وما دخل فيه من أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية متفاقمة منذ عام 2019. ويتابع المؤلفان الاحتجاجات الواسعة وتعثر تشكيل الحكومات وجائحة كورونا، وصولًا إلى انفجار مرفأ بيروت في 4 آب/أغسطس 2020، الذي عمّق الغضب الشعبي وفقدان الثقة بالمؤسسات والدولة. وفي هذه البيئة يجد “حزب الله” نفسه أمام معضلة تختلف عن المواجهات العسكرية السابقة: فهو جزء من النظام السياسي الذي تطاله الأزمة والاحتجاجات، وفي الوقت نفسه يسعى إلى الحفاظ على موقعه وقاعدته ومشروعه. ولا تنفصل هذه الاضطرابات الداخلية في سرد الكتاب عن التحولات الإقليمية واستمرار المواجهة مع “إسرائيل”؛ إذ يتابع استشهاد قاسم سليماني، والتوترات على الحدود والضربات الإسرائيلية في سوريا، ثم بدء المفاوضات غير المباشرة حول ترسيم الحدود البحرية. وبذلك يصبح “الاضطراب” وصفاً لتشابك أزمة الدولة اللبنانية مع بيئة إقليمية متغيرة، بينما يحاول الحزب والسيد المحافظة على موقعهما ومعادلات القوة التي راكماها في المراحل السابقة.
ومن هذه البيئة ينتقل الكتاب إلى فصل “الردع”، الذي يستخدم فيه المؤلفان أحداث أيار/مايو 2021 وما رافقها من إطلاق صواريخ من الأراضي اللبنانية لفحص المعادلة التي تطورت بين “إسرائيل” و”حزب الله” منذ حرب 2006. فالردع لا يظهر هنا بوصفه غيابًا للمواجهة، بل علاقة مستمرة من التهديد والاختبار ومحاولة كل طرف قراءة حدود الطرف الآخر وتجنب الانزلاق إلى حرب شاملة. ويبلغ هذا المنطق أحد أبرز اختباراته في ملف ترسيم الحدود البحرية وحقل كاريش عام 2022؛ إذ يتابع الكتاب تهديدات السيد نصرالله وإرسال “حزب الله” طائرات مسيّرة باتجاه منطقة كاريش، بالتوازي مع المفاوضات التي انتهت باتفاق ترسيم الحدود البحرية في تشرين الأول/أكتوبر. ومن ثم، يقدم الفصل الردع باعتباره تفاعلًا بين القوة والتهديد والمفاوضات، لا مجرد حالة عسكرية مستقرة على الحدود.
أما فصل “البقاء”، فيعيد مركز الثقل إلى الداخل اللبناني، ويربط قدرة “حزب الله” على المحافظة على قوته بقدرته على العمل داخل دولة تعاني أزمة عميقة. ويستحضر الكتاب شعار السيد نصرالله “نبقى، نحمي، نبني” بوصفه مدخلاً إلى هذا التحدي، ثم يتابع انتخابات أيار/مايو 2022 وما أظهرته من منافسة سياسية وتراجع قدرة “حزب الله” وحلفائه على الاحتفاظ بالأغلبية البرلمانية، بالتوازي مع استمرار الأزمة الاقتصادية وتعطل مؤسسات الدولة. وهنا يصبح “البقاء” أوسع من البقاء العسكري؛ فهو يتعلق بالمحافظة على القوة والموقع والتحالفات وسط ضغوط سياسية واجتماعية متزايدة.
وبذلك تتحرك الفصول الثلاثة من “الاضطراب”، حيث يواجه الحزب تداعيات أزمة لبنان المتعددة المستويات، إلى “الردع”، حيث تختبر حدود القوة وقواعد استخدامها في مواجهة “إسرائيل”، ثم إلى “البقاء”، حيث يصبح السؤال هو كيفية المحافظة على هذه القوة داخل دولة مأزومة ومنقسمة. وعند نهاية هذه المرحلة يرسم الكتاب مفارقة ستقود إلى المرحلة التالية: “حزب الله” يمتلك قوة عسكرية كبيرة وقدرة على التأثير والردع، لكنه يتحرك داخل بيئة لبنانية شديدة الهشاشة، وهي النقطة التي يمهد منها المؤلفان للانتقال إلى فصل “نشوة القوة”.
من “نشوة القوة” إلى استشهاد السيد وإعادة قراءة المواجهة
يفتتح فصل “نشوة القوة” المرحلة الأخيرة من الكتاب من داخل الأزمة الإسرائيلية نفسها. فمع تشكيل الحكومة الجديدة في “إسرائيل” في كانون الأول/ديسمبر 2022، وما أعقبه من صراع حول التغييرات القضائية واتساع الاحتجاجات والانقسامات الداخلية، يتابع المؤلفان الطريقة التي قرأ بها السيد نصرالله هذه التطورات باعتبارها دليلاً إضافياً على ضعف “إسرائيل” وتآكل تماسكها الداخلي. ويضع الكتاب هذه القراءة في امتداد تصوره السابق عن هشاشة المجتمع الإسرائيلي وضعف قدرته على تحمّل الحروب والخسائر، لكنه يرى أن أحداث عام 2023 دفعت هذه القناعة إلى مستوى أعلى. وفي خطابه بمناسبة “عيد المقاومة والتحرير”، يعرض السيد “إسرائيل” بوصفها دولة مأزومة ومنقسمة، ويؤكد أن ميزان القوة تغير لمصلحة محور المقاومة. ويربط المؤلفان بين هذه الثقة وبين سلسلة من الاحتكاكات على الحدود، ليصبح عنوان “نشوة القوة” تعبيرًا عن اللحظة التي يعتقدان أن تراكم الإنجازات والقدرات قاد فيها السيد إلى ثقة متزايدة بقدرته على قراءة “إسرائيل” وضبط حدود المواجهة معها.
وبعد “نشوة القوة” ينتقل الكتاب في فصل “حسن نصرالله – النسخة التي لم تُبث” إلى مستوى مختلف من العرض، إذ يتراجع السرد الزمني مؤقتاً لصالح التركيز على شخصية السيد وسماته القيادية وطريقة عمله. ويستعيد المؤلفان ملامح شخصيته وطريقته في الحديث والعمل وعلاقته بالمحيطين به، ويعرضانه قائداً شديد الحذر والانضباط، حساساً للتفاصيل، واسع الاطلاع، يتعلم باستمرار ويولي أهمية كبيرة لفهم خصومه، وفي الوقت نفسه شديد المركزية في إدارة التنظيم ومتابعة تفاصيله. ويبين الفصل أن هذه القيادة لم تكن معطى ثابتاً منذ البداية، بل تشكلت وتطورت مع الزمن والتجربة، حتى أصبحت شخصية السيد وقيادته حاضرتين بقوة في آليات عمل “حزب الله” واتخاذ القرار داخله. وبهذا لا يقتصر الفصل على تقديم جوانب شخصية وقيادية من السيد، بل يبرز أيضاً مركزية موقعه داخل الحزب، بما يمهد للانتقال إلى فصل “النهاية” وما سيطرحه غيابه لاحقاً من أسئلة حول الحزب وقيادته.
ومع فصل “النهاية” ينتقل الكتاب إلى 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 والحرب التي أعقبته. ويتابع المؤلفان فتح “حزب الله” جبهة الإسناد من جنوب لبنان في 8 أكتوبر تحت عنوان دعم غزة، مع إبقاء المواجهة، في مرحلتها الأولى، دون مستوى الحرب الشاملة. ويقرأ الكتاب هذه الاستراتيجية بوصفها محاولة للجمع بين الالتزام بمحور المقاومة والضغط المستمر على “إسرائيل” وبين ضبط التصعيد، فيما أدت المواجهة إلى إخلاء بلدات إسرائيلية في الشمال واستمرار تبادل الضربات والاغتيالات على مدى أشهر. وفي خطابات السيد خلال الحرب يركز المؤلفان على استمرار ثقته بأن “إسرائيل” مأزومة وغير قادرة على تحقيق أهدافها، وعلى اعتباره ما يجري في الجبهة الشمالية إنجازاً بسبب تعطيل الحياة وإبقاء عشرات آلاف الإسرائيليين بعيداً عن بلداتهم. وفي المقابل، يتابع الكتاب انتقال “إسرائيل” تدريجياً من إدارة المواجهة ضمن قواعد محسوبة إلى توسيع عملياتها ضد قيادات “حزب الله” وبنيته العسكرية.
وتتسارع هذه الحركة خلال عام 2024. فيعرض الكتاب اغتيال قيادات بارزة في الحزب، وفي مقدمتها فؤاد شكر، والرد الذي أعقبه، ثم عملية تفجير أجهزة الاتصال في 17 و18 أيلول/سبتمبر وما أحدثته من ضربة واسعة لمنظومة “حزب الله”، تلاها استهداف إبراهيم عقيل وعدد من القيادات. ويقدم المؤلفان هذه التطورات بوصفها انتقالاً في المبادرة إلى “إسرائيل” وانكشافاً متزايدًا للبنية القيادية والعملياتية للحزب. وفي 23 أيلول/سبتمبر تبدأ، وفق سرد الكتاب، مرحلة أوسع من الضربات الجوية، قبل أن يصل المسار إلى قرار استهداف السيد نفسه. وفي مساء 27 أيلول/سبتمبر 2024 تنفذ “إسرائيل” الغارة على مقر القيادة في الضاحية الجنوبية، التي أدت إلى استشهاد السيد نصرالله. ولا يتعامل المؤلفان مع استشهاده بوصفه نهاية شخصية فقط؛ بل يقدمانه باعتباره انهياراً للحظة كاملة من العلاقة التي تشكلت طوال عقود بين السيد و”حزب الله” و”إسرائيل”، ويعيدان من خلاله قراءة الثقة التي حكمت تقديراته في الفترة السابقة. وفي تفسيرهما، وقع السيد في خطأ شبيه بما ينتقدانه في “إسرائيل” قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر: الثقة المفرطة بقراءة الخصم والاعتقاد بأن قواعد سلوكه أصبحت معروفة وقابلة للضبط.
وتعود “الكلمة الختامية: من ينهض لقتلك، بادر إلى قتله- هل تغيرنا حقاً؟” إلى هذا المسار من زاوية إسرائيلية صريحة. فالمؤلفان لا يعتبران استشهاد السيد أو الضربات التي تعرض لها “حزب الله” نهايةً للمشكلة التي درسها الكتاب؛ إذ يشددان على أن الحزب تعرض لضربة عسكرية وقيادية عميقة، لكنه لم يُمحَ، وأن جذوره الاجتماعية والسياسية داخل البيئة الشيعية اللبنانية وقدرته التنظيمية تفرضان سؤالًا مفتوحاً حول مستقبله وإمكان إعادة بناء قوته. وفي الوقت نفسه يقدمان السيد بوصفه الشخصية التي جمعت، طوال عقود، وظائف القائد السياسي والعسكري والاستراتيجي والرمزي، ولذلك يطرح غيابه سؤالًا عن طبيعة الحزب من بعده، وعن إمكان استمرار النموذج الذي ارتبط بقيادته.
لكن السؤال الأخير للكتاب يعود في النهاية إلى “إسرائيل” نفسها. فالمؤلفان يجعلان من تجربة السيد و”حزب الله” درسًا في مخاطر الاطمئنان إلى معرفة سابقة بالخصم وتحويل الافتراضات إلى يقين؛ ولذلك لا يكتفيان بالدعوة إلى استخلاص الدروس العسكرية من الحرب، بل يشددان على ضرورة الاستمرار في دراسة الخصم وأفكاره وعقيدته وثقافته وطريقة نظره إلى “إسرائيل”. وهنا يكتمل المسار الذي بدأ في “فاتحة الكتاب”: معرفة الخصم ليست عندهما مسألة وصفية، بل جزء من القدرة على مواجهته ومنع المفاجأة. وفي الوقت نفسه لا يفترض الكتاب أن استشهاد السيد يمحو أثره؛ بل ينتهي إلى احتمال استمرار صورته وذاكرته بوصفهما عنصراً فاعلًا بعد غيابه، ليعيد بذلك السؤال الذي يحمله عنوان الكتاب نفسه: إذا كان الرجل قد استشهد، فهل “الأسطورة” تموت معه؟


