مَن يعرقل اتفاق لبنان مع “صندوق النقد الدولي”؟
السؤال أصبح حتمياً، والجواب عليه ضروري، لمحاول فهم ما يدور في عقل القابضين على مفاصل الدولة، ويمنعون خروج لبنان من الدائرة المقفلة التي دخل إليها منذ سنة 2019، وخسر اللبنانيون داخل جدران تلك الدائرة ودائعهم وأموالهم وجنى أعمارهم واستقرارهم المعيشي والاجتماعي.
منذ الانهيار المالي في 2019، صار لبنان سجيناً في حلقة مفرغة، لم تنفع كل المحاولات الجدية للخروج منها.
كانت بداية المحاولات لمعالجة “الفجوة المالية” مع “خطة التعافي” التي أقرّتها حكومة الرئيس حسان دياب. وافق على الخطة صندوق النقد الدولي عليها، ورحّب بها البنك الدولي وجهات اقتصادية عالمية بها. اعتمدت الخطة “توزيع الخسائر” على 3 أطراف: الدولة ومصرف لبنان والمصارف… لكن “الدولة العميقة” في لبنان أسقطتها!
بعدها جاءت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، واعتمدت مقاربة خطة حكومة الرئيس دياب مع تعديلات، خصوصاً لجهة توسيع دائرة “توزيع الخسائر” لتضم طرفاً رابعاً هم المودعون… مع ذلك، “الدولة العميقة” في لبنان لم تسمح للخطة بالخروج من الدائرة المغلقة!
ثم جاءت حكومة الرئيس نواف سلام، وتفاوضت مع صندوق النقد على الخطة، وتوصلت إلى صيغة يقبل بها الصندوق.. لكن أيضاً “الدولة العميقة” عرقلتها!
واليوم، صار الاتفاق مع صندوق النقد الدولي أبعد من أي وقت مضى، خصوصاً بعد أن طعن رئيس الجمهورية جوزاف عون “جزئياً” الجمهورية في قانون تسوية أوضاع المصارف وإعادة هيكلتها، بسبب ما احتوته في المادة 3 من “مساس بصلاحيات حاكم مصرف لبنان” على اعتبار أن هذه الصلاحيات هي “أمر سيادي”.
لكن، ألم تتسبب هذه الصلاحيات المطلقة، التي اعتمدها الحاكم السابق رياض سلامة، سبباً في الانهيار المالي؟ ألم تؤدي “دولة مصرف لبنان” إلى اعتماد سياسات مالية أوصلت إلى هذا الانهيار والهدر وتوزيع الأموال من خلال “الهندسات المالية” والزبائنية، وبمشاركة جزء كبير ممن تولوا على السلطة؟
ثمة قرار في “مكان ما” يمنع خروج لبنان من أزمته المالية على مدى 7 سنوات. بل أصبح هناك شبه تأكيد أن الانهيار المالي كان متعمّداً، وأن هناك جهات خطّطت ونفّذت مشروع إسقاط لبنان اقتصادياً ومالياً، وأن هذه الجهات لاتزال تعترض طريق التعافي، بينما يخسر المودعون أموالهم وجنى أعمارهم، ويخسر اللبنانيون قدراتهم الشرائية وترتفع نسب الفقر في المجتمع بشكل كبير.
وقد عبّر مسؤولو صندوق النقد الدولي أكثر من مرة عن “ضيق صدرهم” من المفاوضات المتكررة مع لبنان على مدى 6 سنوات، من دون الوصول إلى نتيجة. وربط صندوق النقد التوصل إلى اتفاق جديد مع لبنان بتقدّم مستمر في الإصلاحات، خصوصاً معالجة أوضاع المصارف والفجوة المالية وإعداد إطار مالي يراعي استدامة الدين. ورأى الصندوق أن لبنان يحتاج إلى مواصلة التقدم في تنفيذ إصلاحات أساسية في الاقتصاد والقطاع المصرفي، من أجل التوصل إلى اتفاق جديد للحصول على دعم من الصندوق، مشيراً إلى أن مسار الاتفاق يتطلب العمل على عناصر مختلفة.
وأوضحت المتحدثة باسم الصندوق جولي كوزاك، خلال مؤتمر صحافي، أن الأولويات تشمل دخول قانون معالجة أوضاع المصارف حيّز التنفيذ، وإقرار تشريعات ملائمة لمعالجة الفجوة المالية، إلى جانب إعداد موازنة عام 2027 وإطار مالي متوسّط الأجل يتوافق مع استدامة الدين في البلاد.
ويضع هذا الموقف الملف المصرفي ضمن المتطلبات الأساسية للمضي نحو اتفاق، مع التشديد على جانبين مترابطين: تنفيذ القانون المتعلق بمعالجة أوضاع المصارف، واستكمال التشريعات اللازمة للتعامل مع الفجوة المالية وفق المعايير الدولية.
وبحسب ما عرضته المتحدثة، فإن المطلوب لا يقتصر على إقرار نصوص تشريعية، إذ يشمل أيضاً دخول قانون معالجة أوضاع المصارف حيّز التنفيذ. أما في ملف الفجوة المالية، فقد شدّدت على ملاءمة التشريعات والمعايير التي ينبغي أن تستند إليها المعالجة.


