الرئيسيةSliderهل يريد "المركزي" مُحاكمة مَن سُرِق ومكافأة مَن سَرَق؟

هل يريد “المركزي” مُحاكمة مَن سُرِق ومكافأة مَن سَرَق؟

| فادي عبود |

يبدو أننا وصلنا إلى مرحلة قد تجعل اللبنانيّين يترحّمون على أيام رياض سلامة، لا دفاعاً عن عهده أو تبرئة للسياسات التي قادت إلى الانهيار، بل لأنّ المقاربة المطروحة اليوم تثير سؤالاً شديد الخطورة: هل نحن أمام خطة لمعالجة الانهيار ومحاسبة المسؤولين عنه، أم أمام خطة لتخفيف كلفة الانهيار عن المصارف وتحميل المودعين الجزء الأكبر من الثمن؟

هل المطلوب معاقبة كبار المودعين؟

أكثر ما يثير القلق في مقاربة المركزي، إدخال كبار المودعين والفوائد التي حصلوا عليها في صلب التدقيق. فقد تحدّث كريم سعيد عن موجبات لمصرف لبنان تجاه المصارف والمودعين تقارب 79,5 مليار دولار، وعن “شوائب” قد تصل إلى 30% (تقرير LBCI بتاريخ 8 أيلول 2026). لكنّ كبار المودعين ليسوا مجرّد أرقام في دفاتر المصارف؛ إنّهم جزء أساسي من رؤوس الأموال التي تحرّك الاستثمار والائتمان والدورة الاقتصادية، وبينهم أصحاب شركات ومستثمرون ومغتربون وعائلات راكمت أموالها على مدى سنوات. ولذلك، فإنّ جعل حجم الوديعة سبباً إضافياً للتدقيق أو التخفيض، يرسل رسالة خطيرة إلى رأس المال اللبناني والمغترب: كلما كبرت ثروتك في لبنان، يفترض أنك حرامي، إلّا إذا كنت صاحب مصرف أو مسؤولاً كبيراً في الدولة، هل هذه رسالة يحتاجها اقتصاد يريد استعادة الاستثمار، بل رسالة تدفع رأس المال إلى الابتعاد؟

هل كان المطلوب من المودعين ألّا يتعاملوا مع القطاع المصرفي اللبناني؟

أمّا قصة الفوائد، فهي أكثر غرابة. فالمصارف مجتمعة كانت تعرض فوائد مرتفعة، في ظل نظام مصرفي خاضع لرقابة مصرف لبنان، وهي التي قبلت الودائع وسجّلت الفوائد في حسابات أصحابها. فإذا أصبحت هذه الفوائد اليوم موضع تدقيق، بل تدخل ضمن ما يسمّى “الشوائب” المرتبطة، بحسب ما نُشر، بكبار مودعين استفادوا من فوائد مرتفعة، فماذا كان مطلوباً من المودع أن يفعل؟ هل كان عليه أن يعرف ما لم تعرفه الجهات الرقابية، وأن يفترض مسبقاً أنّ الفائدة التي يعرضها عليه مصرف مرخّص، قد تتحوَّل بعد سنوات إلى حجة لخفض وديعته؟

وهل كان مطلوباً من المودعين ألّا يتعاملوا مع القطاع المصرفي، خصوصاً أنّ المصارف كلها كانت تعرض معدّلات الفائدة عينها؟ أليس في تحميل المودع تبعات هذه الفوائد قلبٌ للمسؤولية، فيُعاقَب لأنّه وثق بالمصرف وبالنظام المالي الذي يفترض أنّ مصرف لبنان يراقبه؟ ثم كيف يُطلب من الناس اليوم أن يثقوا مجدّداً بهذه المصارف نفسها، فيما يجري تحميلهم نتائج قرارات وسياسات لم يكونوا أصحابها؟

هذه الأسئلة أولى بأن تكون في قلب التدقيق والمحاسبة، من سؤال المودع لماذا قبل فائدة عرضها عليه المصرف.

قبل التدقيق مع المودع… افتحوا دفاتر المصارف

بعد ما لا يقلّ عن 7 سنوات على الانهيار، يُطلب اليوم من كبار المودعين، وبعضهم تعود ودائعهم إلى عقود، أن يبرّروا أصول هذه الأموال وكيف وصلت إلى حساباتهم، وهذا مطلب مستحيل، وكأنّ الوديعة التي قبلها المصرف وسجّلها في دفاتره طوال كل هذه السنوات أصبحت فجأة موضع اتهام. هذا الطلب، في نظر المودعين، يطرح شبهة خطيرة، لأنّ ما يُخشى منه هو أن يتحوَّل التدقيق بعد كل هذا الوقت إلى ذريعة لشطب هذه الودائع للاستيلاء عليها، في بدعة لا سابقة لها في الأنظمة المصرفية.

المسؤولية الأولى عن التحقق من مصدر الأموال تقع على المصرف عند فتح الحساب وقبول الوديعة، لا على المودع، بعد سنوات طويلة من قبولها وتسجيلها واعتمادها ضمن النظام المصرفي. وإذا كانت هناك وديعة مجهولة المصدر أو أموال يثبت أنّها غير مشروعة، فالمطلوب ليس شطبها ومنحها للمصارف، بل معرفة مصدرها، وتحديد صاحب الحق فيها، وإعادتها إلى الجهة أو الدولة صاحبة الحق وفقاً للقانون. لا يجوز أن تتحوَّل الوديعة المشكوك بها إلى هدية للمصرف، ولا أن يتحوَّل التدقيق إلى وسيلة للاستيلاء على أموال الناس. لبنان لا يجوز أن يكون المكان الذي تُسرق فيه الأموال مرّتَين: مرّة من أصحابها، ومرّة أخرى باسم معالجتها.

وإذا كان الهدف الحقيقي هو معرفة أين ذهبت الأموال، فلماذا لا يبدأ الحاكم من المكان الطبيعي: دفاتر المصارف نفسها؟

بعد كل هذه السنوات، كان يُفترض أن تكون الخطوة الأولى هي التدقيق العلني والشامل في كل مصرف لمعرفة وضعه الحقيقي، وحجم أصوله والتزاماته، وأين وظّف أموال الناس، وماذا وضع لدى مصرف لبنان، وما هي التحويلات والاستثمارات والهندسات والصفقات التي جرت، ومَن اتخذ قراراتها ومَن استفاد منها.

معاقبة مَن سُرِق وإعفاء مَن سرق؟

هنا تصل الغرابة إلى أفظع حدودها: بدلاً من أن يبدأ التدقيق بمَن يُسأل عن ضياع أموال الناس، يبدأ اليوم مع مُن سُرِق. فالمودع الذي فَقَد الوصول إلى ماله، وانتظر سنوات، وتحمّل التضخّم وانهيار قيمة العملة وتآكل القيمة الفعلية لمدّخراته، يجد نفسه أمام ودائع يجري التدقيق فيها، وفوائد يُعاد النظر فيها، وتصنيفات لتقليص وديعته؟

بدلاً من محاكمة السارق، يجري التدقيق مع المسروق. وبدلاً من السؤال: مَن أخذ أموال الناس؟ يصبح السؤال: إلى أي مدى سيستطيع المركزي تقليص أموال الناس لصالح المصارف؟

الحاكم يجتمع بالمصارف… والمودع ينتظر

ثم يأتي المشهد الذي يكشف الكثير ممّا سبق: الحاكم يجتمع مع جمعية المصارف للحصول على دعمها لخطة توزيع الخسائر وإعادة هيكلة القطاع. وقد نشرت تقارير عن الاجتماع، أنّ الهدف هو عرض مرتكزات الخطة على المصارف ونَيل دعمها، فيما تتضمّن المقاربة عدم المساس ببنية ملكية المصارف ووضع حدود لخسائر رساميلها، إلى جانب معالجة فئات من الودائع.

وهنا لا يستطيع المودع إلّا أن يسأل: وماذا عن خسائرنا؟ ففي الخطة متسع للحديث عن رساميل المصارف وكيف لا تخسر كثيراً، وعن ملكية أصحابها وكيف لا تُمسّ، وعن مستقبل القطاع وكيف يُعاد تشغيله. لكن أين الحديث عن آلاف العائلات التي خسرت جنى عمرها؟ أين الحديث عن أب لم يعُد قادراً على دفع قسط جامعة ابنه، أو أم اضطرّت إلى تأجيل علاجها، أو متقاعد فَقَد أمانه، أو عائلة باعت مدّخراتها وممتلكاتها لتستطيع الاستمرار؟

ماذا عن الذين اضطرّوا، بعد الانهيار، إلى بيع حقوقهم في ودائعهم بـ10% من قيمتها، بتواطؤ بين الصرافين وأصحاب المصارف؟ وماذا عن التحويلات الضخمة التي خرجت من لبنان في الفترة الأولى للأزمة؟

يبدو أنّ المصارف تحتاج إلى الحماية، أمّا سرقة المودع، فلتكن قدراً محتوماً. إذا تعثّر المصرف، علينا أن نبحث سريعاً عن كيفية إنقاذه؛ أمّا إذا خسر الناس أموالهم وتعليم أولادهم وصحتهم واستقرار عائلاتهم، فهذه تفاصيل لا تجد مكاناً في الخطة.

فهل نسي الحاكم أنّ مصرف لبنان يفترض أن يكون في موقع حماية المودعين ومراقبة المصارف ومساءلتها؟ كان يفترض أن تكون أولويته معرفة ما جرى ومحاسبة مَن تثبت مسؤوليته، لا حماية رساميل المصارف وطمأنة أصحابها.

الصورة تختصر كل شيء: عندما يتعلّق الأمر بالمصارف، هناك ملكية يجب ألّا تُمسّ ورساميل يجب ألّا تخسر؛ وعندما يتعلّق الأمر بالمودعين، هناك ودائع يمكن تدقيقها وتقليصها وتقسيطها. أمّا وجع الناس وتعتيرهم، فيبدو أنّه لم يأتِ على لسان الحاكم.

حضرة الحاكم، لا يمكن أن تضع حلولاً للودائع قبل أن نعرف أين ذهبت الأموال. المال فُقِد في المصارف، ولا يكفي أن تُقدَّم لنا أرقام عامة أو خطط تقسيط؛ المطلوب كشف حساب مصرف بمصرف، لنعرف ما حصل بأموال المودعين وأصحاب الحقوق. وإذا كان أصحاب المصارف لم يغتنوا على حساب هذه الودائع، فأثبتوا ذلك بالأرقام والدفاتر، ونحن أول مَن يعتذر. أمّا أن يُطلب من المودع أن يتحمّل الخسارة قبل أن يعرف من أخذ أمواله وكيف، فهذا ليس حلاً، بل هو تكريس للظلم.

شريط الأحداث