الرئيسيةشريط الاحداثمواجهات دامية في اليمن.. وهجرة كثيفة

مواجهات دامية في اليمن.. وهجرة كثيفة

دخل التصعيد العسكري في اليمن مرحلة جديدة مع اتساع رقعة المواجهات بين القوات الحكومية وحركة “أنصار الله” على عدد من الجبهات، بالتزامن مع ارتفاع الخسائر البشرية والنزوح، ووصول المعارك إلى مناطق ذات أهمية استراتيجية على مقربة من مضيق باب المندب والحدود السعودية.

وخلال الساعات الـ24 الماضية، قُتل 98 جندياً من القوات الحكومية و52 من مسلحي “أنصار الله” في هجمات ومواجهات شهدتها عدة جبهات.

وأفادت المصادر بأن الجنود الحكوميين قتلوا في هجمات صاروخية واشتباكات في لحج وتعز وصعدة وعلى الحدود السعودية، بينما سقط مقاتلو الحوثي في مواجهات وغارات جوية استهدفت مواقع للجماعة في لحج والحديدة وتعز. ولا تتوافر، بصورة مستقلة، إمكانية للتحقق من هذه الحصيلة الميدانية.

وتتركز إحدى أبرز ساحات القتال في جنوب تعز وشمال لحج، حيث أعلنت القوات الحكومية إحباط محاولة تسلل حوثية باتجاه طريق هيجة العبد، وهو طريق استراتيجي يربط تعز بعدن ويستخدم لنقل المسافرين والبضائع والمواد الغذائية إلى مناطق واسعة من تعز. وقالت القوات الحكومية إن عناصر حوثية حاولت التقدم عبر منطقتي الأشبوط وهيجة العبد في مديرية المقاطرة بمحافظة لحج، قبل أن تتراجع إثر الاشتباكات.

وفي جبهة حيفان جنوبي تعز، تحدثت القوات الحكومية عن صد هجوم على منطقة الأحكوم، فيما استمرت المواجهات في محيط جبل جردد والمناطق المتاخمة للوازعية. كما أعلنت القوات الحكومية السيطرة على جبل قرفان في ريف تعز بعد معارك مع الحوثيين، وهي منطقة تطل على مواقع وطرق باتجاه الوازعية والساحل. وفي المقابل، تحدث الحوثيون عن عمليات عسكرية وقصف استهدف مواقع للقوات الحكومية في عدد من الجبهات.

وتتزامن هذه التطورات مع استمرار القتال في محافظة حجة شمال غربي اليمن، حيث شهدت مناطق عدة تبادلاً للقصف المدفعي والصاروخي، فيما أفادت تقارير بوقوع غارات على مواقع وتمركزات للحوثيين في صعدة وحجة. كما امتدت المواجهات إلى جبهات مأرب والجوف والبيضاء، في وقت لم تُسجّل، وفق تقارير ميدانية، تغييرات كبيرة في خريطة السيطرة في بعض هذه المحاور.

وفي الشمال، أعلنت حركة “أنصار الله” تنفيذ هجوم على تحشيدات عسكرية قرب منفذ الطوال الحدودي مع السعودية. ويأتي ذلك في سياق تصاعد العمليات قرب الحدود السعودية، بالتزامن مع غارات جوية استهدفت مواقع للحوثيين في محافظتي صعدة وحجة خلال الأيام الأخيرة. وكانت السعودية قد أعلنت في 19 أيلول اعتراض صاروخ باليستي أُطلق باتجاه الرياض، بينما واصلت القوات السعودية تنفيذ ضربات جوية داخل اليمن.

أما التطور الأكثر حساسية في الجنوب الغربي، فيتركز حول جبال كهبوب، الواقعة في المنطقة المشرفة على مضيق باب المندب وخليج عدن. وتشهد المرتفعات منذ أيام معارك متواصلة، وسط إعلان القوات الحكومية صد محاولات تقدم حوثية، بينما يسعى الحوثيون، وفق تقارير ميدانية، إلى تعزيز مواقعهم في المنطقة. وتكتسب كهبوب أهمية بسبب إشرافها على طرق وممرات مؤدية إلى الساحل، وعلى مناطق قريبة من جزيرة ميون ومضيق باب المندب.

وتأتي معارك كهبوب بعد سلسلة تطورات شهدها الساحل الغربي منذ بداية الشهر، إذ تحدثت تقارير عن توسع سيطرة الحوثيين على مناطق ساحلية بينها مدينة المخا ومواقع وجزر في البحر الأحمر. وأدى ذلك إلى انتقال جزء من ثقل المواجهة إلى مناطق قريبة من واحد من أهم الممرات البحرية في المنطقة، فيما تبادل الطرفان الاتهامات بشأن المسؤولية عن التصعيد والتهديدات التي قد تطال حركة الملاحة.

 

وفي موازاة المعارك البرية، دخل ملف الملاحة في باب المندب مجدداً دائرة الاهتمام. وأعلنت السلطات التابعة للحوثيين في صنعاء أن 408 سفن تجارية عبرت المضيق بين 11 و21 أيلول، معتبرة أن حركة الملاحة ما زالت مستمرة. في المقابل، تواصل الحكومة اليمنية التحذير من مخاطر محتملة على أمن الممر البحري في ظل التغيرات العسكرية على امتداد الساحل الغربي.

وترافق التصعيد مع ارتفاع حاد في الخسائر البشرية. ووفق منظمة الصحة العالمية، قُتل 674 شخصاً وأصيب نحو ثلاثة آلاف منذ السادس من آب، بينهم 164 وفاة و516 إصابة بين 13 و18 أيلول وحدهما. وتختلف الأرقام اليومية تبعاً للمصادر وطريقة احتساب الخسائر، ولا سيما في ظل استمرار العمليات العسكرية وصعوبة الوصول إلى بعض مناطق القتال.

وكانت الأمم المتحدة قد حذرت كذلك من تفاقم أزمة النزوح. وبحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، تجاوز عدد النازحين جراء التصعيد الأخير 130 ألف شخص منذ بداية أيلول، فيما تشير تقديرات أخرى إلى أن العدد اقترب من 170 ألفاً مع استمرار موجة النزوح. وتتركز النسبة الأكبر من النازحين في تعز، مع موجات نزوح أيضاً من الحديدة والجوف ومأرب ومناطق أخرى. وحذرت المفوضية من إمكانية تجاوز عدد النازحين 230 ألفاً إذا استمر القتال بالمعدل الحالي.

ولم يقتصر النزوح على الداخل اليمني، إذ عبر آلاف الأشخاص البحر باتجاه جيبوتي، فيما وصل آخرون إلى الصومال، في ظل أوضاع إنسانية صعبة ونقص في الموارد والخدمات. وتأتي هذه الموجة فوق أزمة نزوح مزمنة، إذ تشير المفوضية إلى أن أكثر من 5.2 ملايين شخص كانوا قد نزحوا أصلاً داخل اليمن نتيجة سنوات الحرب.

وعلى المستوى الإنساني، يتزامن التصعيد مع أزمة غذائية واسعة. ويواجه أكثر من 18 مليون شخص في اليمن مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، فيما حذرت الأمم المتحدة من أن استمرار القتال وتعطل الطرق والموانئ والمطارات يمكن أن يزيد صعوبة إيصال المساعدات ورفع كلفة المواد الأساسية. ويعتمد اليمن بدرجة كبيرة على الاستيراد لتأمين احتياجاته الغذائية.

إقليمياً، أخذ التصعيد بعداً أوسع مع استمرار التوتر بين الحوثيين والسعودية، فيما بقي الموقف الأميركي موضع متابعة. وتحدثت تقارير إعلامية في الأيام الماضية عن أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ألغى في اللحظة الأخيرة ضربات كانت معدة لاستهداف الحوثيين، بعد ضغوط سعودية للمشاركة بصورة أكبر في العمليات. ولم يصدر تأكيد أميركي رسمي لهذه الرواية، التي بقيت في إطار التقارير الإعلامية.

وفي المقابل، استمرت الاتصالات السياسية بالتوازي مع التصعيد العسكري. ويواصل المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ اتصالاته مع الأطراف المعنية، فيما بقي المسار الدبلوماسي قائماً رغم اتساع رقعة القتال. وكانت الأمم المتحدة قد حذرت من أن استمرار المواجهات يهدد بتوسيع الأزمة الإنسانية وتقويض أي فرصة لخفض التصعيد.

ويأتي كل ذلك بعد فترة شهدت انخفاضاً نسبياً في مستوى القتال الواسع داخل اليمن، قبل أن تتسارع التطورات خلال أيلول على امتداد الساحل الغربي وتعز ولحج والجبهات الشمالية والشرقية. وبينما تعلن القوات الحكومية تحقيق تقدم في بعض المواقع وصد هجمات في مواقع أخرى، يعلن الحوثيون بدورهم تنفيذ هجمات واستهداف مواقع عسكرية، فيما يصعب التحقق بشكل مستقل من كثير من الادعاءات الميدانية في ظل استمرار المعارك.

وبذلك، لا تبدو التطورات الأخيرة محصورة بجبهة واحدة، بل تشمل سلسلة مترابطة من الجبهات تمتد من تعز ولحج والساحل الغربي إلى مأرب والجوف وحجة وصعدة، مع تداخل متزايد بين التطورات العسكرية والأزمة الإنسانية وأمن الملاحة في باب المندب. ومع استمرار القتال، يبقى حجم التصعيد خلال الأيام المقبلة مرتبطاً بمسار المعارك على الأرض، وبمدى انخراط الأطراف الإقليمية والدولية في محاولة احتوائه.

شريط الأحداث