| الجريدة|
لا تعود الحياة إلى البيوت التي هُدمت بمجرد رفع أنقاضها، ولا تكفي أربعة جدران وسقف مؤقت لإعادة عائلة إلى مكان غادرته تحت صواريخ العدو الإسرائيلي.
ومع ذلك، فإن وصول الدفعة الأولى من البيوت الجاهزة إلى زوطر الغربية يفتح نافذة صغيرة في مشهد جنوبي ثقيل، بعدما بدأ مجلس الجنوب تسليم هذه الوحدات إلى الأهالي الذين دُمّرت منازلهم، ويرغبون بالعودة إلى قراهم، في خطوة تهدف إلى تأمين مأوى مؤقت لهم على أرضهم، وضمان بقائهم في قراهم التي يحاول العدو الإسرائيلي سلبها منهم، بدلاً من إبقائهم في حالة نزوح مفتوحة لا يعرفون متى تنتهي.
الخطوة تبدو للوهلة الأولى بسيطة، بيت جاهز يصل إلى أرض منزل تحوّل إلى ركام. لكن خلف هذا المشهد تختصر حكاية آلاف العائلات الجنوبية التي فقدت منازلها واضطرت إلى الابتعاد عن بلداتها، فيما بقيت العودة مرتبطة بقدرة الدولة على إزالة آثار الحرب وتأمين الحد الأدنى من مقومات الاستقرار.
وفي زوطر الغربية، بدأت عملية تسليم البيوت الجاهزة بعد مسح للأضرار وحصر للمنازل المدمرة كلياً وجزئياً، تلاه رفع الأنقاض وتجهيز الأراضي لاستقبال البيوت الجاهزة، في محاولة لتحويل العودة من شعار إلى خطوة عملية على الأرض.
لكن البيت الجاهز، مهما كان ضرورياً للعائلة التي فقدت منزلها، لا يمكن أن يكون بديلاً عن إعادة الإعمار. فالعودة لا تعني أن يجد الإنسان سقفاً فوق رأسه فحسب، بل أن يجد حوله بلدة قابلة للحياة؛ طريقاً مفتوحاً، ومياهاً وكهرباء، ومدرسة تستقبل الأطفال، ومركزاً صحياً، ومتاجر تعود إلى العمل، وبنية تحتية تسمح للناس باستئناف حياتهم الطبيعية.
وقبل كل ذلك، بحاجة أن يجد الأمان، لا قصف وتفجير يحيط به ويؤرق نومه وصفاءه، ولا “درون” تدخل إلى غرفة نومه في ظل أرض وسيادة مستباحة و”على عينك يا دولة”.
ومن هنا، فإن نجاح أي خطة للعودة لا يُقاس بعدد البيوت التي تُركّب، بل بقدرة الجهات المعنية على إعادة بناء البيئة التي تجعل البقاء في هذه القرى ممكناً ومستداماً، وطرد الإحتلال بشكل كلّي.
وتزداد صعوبة هذه المهمة في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية في أجزاء من الجنوب. ففي الوقت الذي تُنقل فيه البيوت الجاهزة إلى زوطر الغربية تمهيداً لإعادة عائلات إلى أراضيها، تستمر أعمال القصف والتدمير في مناطق جنوبية أخرى، ما يضع عملية العودة أمام مفارقة عبثية، كيف يمكن بناء مسكن جديد في منطقة لا تزال مهددة، أو مطالبة النازح بالعودة فيما يبقى السؤال الأمني مفتوحاً؟ فالبيت الذي يُبنى اليوم يحتاج قبل كل شيء إلى ضمانة بأنه لن يتحول غداً إلى ركام جديد، أن العائلة التي ستعود لن تتحول غداً إلى رقم في عداد الشهداء؟.
ولهذا، فإن البيوت الجاهزة يمكن أن تشكل بداية لمسار العودة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تكون مشروع عودة متكاملاً. فالمطلوب هو الانتقال تدريجياً من مرحلة الإغاثة إلى مرحلة التعافي، ومن تأمين المأوى المؤقت إلى إعادة بناء المنازل والمؤسسات والبنى التحتية، لأن الحرب لا تدمّر الحجر فقط، بل تضرب الدورة الاقتصادية والاجتماعية في القرى، وتترك خلفها عائلات فقدت مصادر رزقها، ومدارس ومرافق عامة تحتاج إلى ترميم، وشبكات مياه وكهرباء وطرقاً تحتاج إلى إعادة تأهيل.
لكن تجربة زوطر الغربية اختباراً عملياً لما إذا كان لبنان قادراً على تحويل الحديث عن عودة النازحين وإعادة إعمار الجنوب إلى خطة واضحة ومستمرة، لا إلى خطوات متفرقة تفرضها الظروف.


