| إبراهيم ناصر الدين |
يحتاج جمهور المقاومة إلى فهم ما يدور من حوله؛ ثمة الكثير من الأسئلة دون أجوبة: ماذا جرى في “علي الطاهر”؟ تعزيز انتشار الجيش في منطقة النبطية: هل هو عامل اطمئنان أم أمر يثير القلق من النوايا الإسرائيلية؟
سبق لـ”حزب الله” أن حذّر طوال 15 شهراً من استمرار الخروقات الإسرائيلية، واختار الرد في توقيت يعتقد أنه كان مناسباً لإعادة رسم قواعد الاشتباك، فلماذا يعتصم اليوم بـ “الصمت”، فيما تكسر “إسرائيل” كل التوازنات وتتعامل مع الحزب وفق فرضية أنه “مهزوم”؟
وفي هذا السياق، تشير أوساط مطلعة على الأوضاع الميدانية جنوباً إلى أن “حزب الله” لا يتعامل مع التصعيد الإسرائيلي باعتباره مجرد حملة انتخابية لرئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو – وإن كان جزءٌ من ارتفاع نسق الاعتداءات متصلاً باقتراب موعد تلك الانتخابات- وإنما يتعامل مع ارتفاع نسق الغارات الجوية ومحاولات القضم البرية باعتبارها خطة معدة سلفاً ويجري العمل على تنفيذها ميدانياً؛ حيث يستفيد العدو من هامش حصل عليه من الإدارة الأميركية في ظل وقف إطلاق النار المعلن، ويحاول فرض وقائع على الأرض من دون دفع تكلفة بشرية ومادية، ومن دون التسبب باندلاع حرب واسعة لا يريدها الأميركيون راهناً.
وتلفت تلك الأوساط إلى أن “إسرائيل” تتعمد كسر قواعد الاشتباك وتوسيع نطاق اعتداءاتها لتجعلها أكثر دموية عبر استهداف المدنيين، لرفع التكلفة على بيئة المقاومة والضغط على “حزب الله” لدفعه إلى تقديم تنازلات ميدانية شمال الليطاني. وفي ظن “الإسرائيليين”، أن محاصرة الحزب سياسياً في الداخل اللبناني وإظهار عجزه عن التدخل عسكرياً – بعد أن وسّع جيش الاحتلال نطاق استهدافاته تدريجياً لإعادة عقارب الساعة إلى ما قبل 2 آذار- كفيلةٌ بدفع قيادة “حزب الله” إلى قبول مقاربة جديدة في ملف السلاح؛ حيث يتم التركيز راهناً على اعتباره المشكلة التي تحمل كل الشرور إلى الجنوبيين ولا حل إلا بتسليمه.
هذه الأهداف ليست خافية على المقاومة، لكنها ليست في وارد رفع “الراية البيضاء”؛ فهي تعرف أنه لا تناسب في موازين القوى، لكن “إسرائيل” دولة محتلة ويجب مقاومتها. سبق وأقرت المقاومة بأنها تعرضت لخسائر كبيرة في هذه الحرب المستمرة عليها، لكنها لا تخفي أنها نجحت في ترميم قوتها، وتستفيد لزيادة تلك الجهوزية من الحماية التي تم انتزاعها بقوة المعادلات الإقليمية لنحو 80 بالمئة من المناطق التي تتحرك فيها مختلف قطاعاتها العملانية.
ووفقاً لتلك المصادر، لا تنتظر قيادة “حزب الله” تجاوز “إسرائيل” لما يُعتبر “خطوطاً حمراء” للرد على الاعتداءات، لأن جيش الاحتلال سبق وتجاوزها خلال الأيام الماضية باستمرار عمليات الهدم والتفجير في القرى المحتلة، أو بالاستهداف المتعمد للمدنيين. لكن للميدان حسابات دقيقة ومعقدة، وكافة السيناريوهات موضوعة على “الطاولة”؛ فإرادة القتال لم تتغير، والتجهيزات اللوجستية لاستئناف العمليات على نطاق أشمل وأكثر قوة تحتاج فقط إلى قرار شورى الحزب بعد أن بلغت الاستعدادات ذروتها.. لكن متى؟ ووفق أي استراتيجية؟
لا جواب حتى الآن، لأن الأمور باتت أكثر تعقيداً من أي يوم مضى، وحسابات الجدوى والتكلفة تتجاوز حدود ساحة القتال في الجنوب الذي بات جزءاً من المواجهة الواسعة على مستوى المنطقة؛ حيث يجري التقييم يومياً ودون انفعال، في ظل مواكبة فاعلة لخطوط التماس المشتعلة من “مضيق هرمز” حتى “باب المندب”.
في الخلاصة، لن يطول “الصمت” كثيراً، وقد يفرز الميدان أجوبته مبكراً، خصوصاً أن قوات الاحتلال ترفع من نسق المواجهة الشاملة التي قد تصبح أمراً حتمياً إذا لم تتبلور تسوية كبرى على مستوى المنطقة.
![]()


