في ميفدون، مساء أمس، لم تقتل “إسرائيل” فتاة بالمعنى الذي تختصره نشرات الأخبار. قُتلت شابة لم تتجاوز العشرين من عمرها، وكان يفترض أن يكون أمامها عمر كامل لتعيشه، لا خبر عاجل يمرّ على شاشات الهواتف ثم يختفي بين عشرات الأخبار.
قُتلت وهي في العمر الذي تبدأ فيه الأحلام بأخذ شكلها الحقيقي. العمر الذي تُرسم فيه الخطط، وتُبنى الصداقات التي يُفترض أن تكبر مع أصحابها، وتُعلّق الآمال على الغد. كانت طالبة لها طموحها، ورفيقة لأشخاص عاشت معهم تفاصيل سنواتها، وابنة تحمل لأهلها فرحتهم الخاصة. كانت إنسانة، لها وجه وصوت وذكريات وأماكن تحبها وأشياء كانت تنتظر أن تفعلها.
لكن في لبنان، يكفي أن تسقط غارة إسرائيلية جديدة حتى تختصر حياة كاملة في رقم.

رقم يُضاف إلى حصيلة وزارة الصحة. رقم يرتفع في نهاية النهار، ثم يُستبدل في اليوم التالي برقم آخر. وفي خضمّ الاعتياد القاتل على مشهد الغارات، قد يمر استشهاد شابة في العشرين كما تمرّ سائر الأخبار: سطرًا في نشرة، وصورةً في منشور، ثم صمت.
لكنها ليست رقمًا.
هي تلك الفتاة التي كان لها غد. كانت تنتظر أن تحقق شيئًا من طموحها، وأن تكبر مع أصدقائها الذين عرفوها في تفاصيل العمر الصغيرة، وأن تبقى في بيت أهلها تلك الفرحة التي لا تُقاس بكلمات. كان لها مستقبل لم يصل بعد، وحياة لم تأخذ فرصتها كاملة.
والأقسى أن موتها لا يأتي في منطقة مجهولة أو على هامش المشهد. يأتي في ميفدون، حيث لم تعد حدود الاعتداء الإسرائيلي تُقاس بما يُقال عن خطوط ومناطق وترتيبات، بل بما تستطيع “إسرائيل” أن تصل إليه بالنار. وفي الوقت الذي تُناقش فيه التفاهمات والترتيبات الأمنية وما يُسمّى “الخط الأصفر”، يبقى السؤال الأوضح: ماذا تعني كل هذه الخطوط إذا كان المدني اللبناني يستطيع أن يُقتل خلفها؟
المفارقة أن ميفدون نفسها كانت قد شهدت، خلال الأشهر الماضية، محاولات توغّل وتحركات إسرائيلية باتجاهها، فيما تحدثت تقارير عن توسيع دائرة النار إلى بلدات تقع شمال الخط الأصفر. أي إن المسألة لم تعد مجرد حدود مرسومة على الخرائط، بل واقعًا يُفرض بالنار على الناس الذين يعيشون في تلك المناطق.
ومع ذلك، ما يوجع أكثر من الغارة أحيانًا هو ذلك الصمت الذي يليها.
أن تُقتل شابة في العشرين، ولا تهتزّ البلاد بما يكفي. أن تمرّ قصتها من دون أن يعرف الناس من كانت، ماذا كانت تحلم، ومن ينتظر عودتها إلى البيت. أن يتحول موتها إلى معلومة إضافية في خبر عن “شهداء وجرحى” بدل أن يُرى كما هو: حياة كاملة انقطعت.
نحن لا نتحدث هنا عن رقم جديد في حصيلة حرب طويلة. نتحدث عن فتاة كان يفترض أن يكون اسمها مرتبطًا بإنجاز، بصورة تخرج، بفرحة، بحب، بصداقة، بحلم تحقق. لا أن يُكتب اسمها، إن كُتب، إلى جانب كلمة شهيدة ثم يُطوى الخبر.
هي ليست رقمًا.
هي ابنة بيتٍ انطفأ فيه شيء لن يعود. وصديقة ستبقى صورتها معلّقة في ذاكرة من عرفها. وشابة كان لديها طموح أكبر من أن ينتهي عند غارة.
ولهذا، فإن السؤال ليس فقط: من قتلها؟
السؤال أيضًا، كيف أصبح موت فتاة في العشرين خبرًا عابرًا؟ وكيف اعتدنا أن نقرأ أرقام الشهداء من دون أن نتوقف لحظة أمام الإنسان الذي يقف خلف كل رقم؟
خلف كل رقم أمّ تنتظر، وأبٌ ينكسر، وأصدقاء فقدوا واحدة منهم، وحلم لم يكتمل، وخلف الرقم الذي أضيف أمس إلى حصيلة الشهداء في ميفدون، كانت هناك فتاة اسمها وحياة وحلم.
كانت هناك إنسانة.
وليست رقمًا.


