الرئيسيةشريط الاحداثفانات الجنوب: 90% من الحركة خارج الخدمة

فانات الجنوب: 90% من الحركة خارج الخدمة

| نور محمود |

يعمل الفان على خط النبطية – بيروت يوماً واحداً، ثم ينتظر ثلاثة أيام حتى يأتي دوره مجدداً. وعلى خط بنت جبيل، لم يبقَ من 13 فاناً سوى أربعة، اثنان منها فقط يعملان بانتظام. أما سائق سيارة الأجرة الذي يجني 50 أو 60 دولاراً في اليوم، فقد ينفق منها ما بين 35 و40 دولاراً على البنزين. هكذا أعادت الحرب رسم شبكة النقل من الجنوب وإليه: عدد أقل من الركاب والفانات، قرى خرجت من الخطوط، وأجرة أعلى لا تعني بالضرورة دخلاً أكبر للسائقين.

فحركة النقل التي كانت تربط قرى الجنوب بالنبطية وصور وصيدا وبيروت لم تعد إلى مستوياتها السابقة. ومع تراجع عدد الركاب وارتفاع كلفة المحروقات وتعذّر الوصول إلى عدد من البلدات، بات حجم العمل مرتبطاً بالتطورات الأمنية، فيما يحاول السائقون الحفاظ على مصدر دخل تقلّص لدى بعضهم بنحو 90 إلى 95%.

أربعة فانات يومياً من النبطية

قبل الحرب، كان نحو 100 فان يعمل على خط النبطية – بيروت، بحسب صاحب موقف الفانات في النبطية وعضو نقابة الفانات في لبنان رمزي درويش. بعد الهدنة، عاد نحو عشرة فقط إلى العمل. يقول درويش: «رجعنا منذ أول يوم للهدنة، رغم أن خيم الموقف كانت مدمرة بالكامل. نظفنا المكان وأزلنا الردميات وأعدنا بناء خيمة صغيرة، وبدأنا العمل».

لاحقاً، ارتفع عدد الفانات التي تصل إلى الموقف إلى نحو 40، لكن عودة المركبات لم تترافق مع عودة مماثلة للركاب. فالفان الذي كان يقلّ نحو 14 راكباً، بات يحمل سبعة في أفضل الأحوال. ولتوزيع الحركة المحدودة بين السائقين، يعمل كل فان يوماً واحداً ويتوقف ثلاثة أيام، فلا يتجه فعلياً إلى بيروت سوى نحو أربعة فانات يومياً.

وعلى المستوى الأمني، تنعكس أي ضربة في النبطية أو محيطها فوراً على العمل. ويقول درويش إن السائقين لم يتمكنوا من الوصول إلى النبطية طوال أربعة أشهر من الحرب، فيما بلغت أجرة الراكب حالياً نحو 700 ألف ليرة، في ظل ارتفاع أسعار المحروقات وانخفاض عدد الركاب.

الصورة نفسها تظهر في نقطة انطلاق أخرى. أحمد قبيسي، نائب رئيس بلدية سيناي في قضاء النبطية، الذي يشرف تطوعاً نهاراً على إدارة فانات النبطية المنطلقة من محيط السفارة الكويتية، يقدّر تراجع العمل بنحو 90%. قبل الحرب، بحسب قبيسي، كان نحو 50 فاناً ينطلق يومياً من السفارة باتجاه النبطية، ويرتفع العدد يومي السبت والأحد إلى نحو 150، إلى حد الاستعانة بفانات من صيدا.
وكان كل فان ينجز رحلتين أو ثلاثاً في اليوم بحسب حركة الركاب. أما اليوم، فلا يتجاوز العدد بين 10 و15 فاناً في أفضل الأحوال، وكل منها يقوم برحلة واحدة غالباً من دون اكتمال عدد الركاب.

بنت جبيل: 95% من العمل اختفى

على خط بيروت – بنت جبيل، تبدو الخسارة أكثر حدّة. حسين عسيلي، الذي يعمل سائق فان على الخط منذ نحو 22 عاماً، يقول إن عدد الفانات انخفض من 13 قبل الحرب إلى أربعة، ولا يعمل منها بانتظام سوى اثنين، تبعاً للأوضاع الأمنية.
أما عدد الركاب، فلا يتجاوز اليوم نحو سبعة في الرحلة الواحدة. ويقدّر عسيلي تراجع العمل بنحو 95%، فيما ارتفعت أجرة الراكب من نحو 500 أو 600 ألف ليرة قبل الحرب إلى نحو مليون ليرة حالياً.

ارتفاع الأجرة لم يعوّض خسارة الحركة. فالوقود أغلى، وعدد الركاب أقل، وإمكان تنفيذ الرحلة نفسه غير مضمون. يقول عسيلي: «عند أي تصعيد أو ضربات، يتعطل العمل كلياً ولا نتحرك إلى أي بلدة».
ولا تتوقف المشكلة عند عدد الرحلات، إذ تقلّصت أيضاً المساحة الجغرافية التي يستطيع السائقون العمل ضمنها. فعدّة قرى كانت تشكّل جزءاً أساسياً من شبكة النقل بات الوصول إليها متعذراً، ولا سيما القرى الواقعة ضمن ما يُعرف بـ«الشريط الأصفر»، وصولاً إلى كفرتبنيت والنبطية الفوقا والزوطرين ومحيطها.

لذلك، يقتصر خط عسيلي حالياً على القرى التي يستطيع الوصول إليها، من تبنين وحاريص إلى عيتا الجبل وبرعشيت وشقرا، وهو، بحسب قوله، «الحد الأقصى الذي نستطيع الوصول إليه ضمن قضاء بنت جبيل».

40 دولاراً للبنزين من أصل 60

بالنسبة إلى سائقي سيارات الأجرة، لم تبدأ الخسارة عند استئناف العمل، بل تراكمت خلال أشهر التوقف. علي قرنبش، من زوطر الشرقية، يعمل على خط الجنوب – بيروت. أوقفته الحرب عن العمل 5 أشهر، فيما بقيت الالتزامات المالية قائمة. ويقول: «خسرت كل شيء، ولم يبقَ لي سوى السيارة والنمرة».

ومن بين هذه الالتزامات مستحقات الضمان الصحي. وبحسب قرنبش، يدفع السائقون المضمونون على الرقم العمومي نحو 15 مليون ليرة كل ثلاثة أشهر، فيما بلغت مستحقاته المتراكمة خلال الحرب نحو 40 مليون ليرة.
عاد قرنبش إلى العمل قبل نحو عشرين يوماً، لكن الركاب لم يعودوا بالمستوى نفسه. يعمل حالياً في صور وضواحيها، ويصل أحياناً إلى صيدا وبيروت. إلا أن جزءاً كبيراً مما يجنيه تحرقه تكلفة الوقود.

«إذا بطلع 50 أو 60 دولاراً بالنهار، أصرف منها بين 35 و40 دولاراً بنزين»، يقول قرنبش، الذي أمضى نحو أربعة عقود في المهنة. ومع ذلك، لا يزال يتمسك بسيارته وبالعمل الذي لم يعد يؤمّن له الدخل الذي كان يحققه سابقاً.

شريط الأحداث