
| رلى إبراهيم |
هل يحق للقاضي المرتشي أو المرتكب لجرم جزائي أن يعود إلى الخدمة؟ سؤال لطالما انقسم الجسم القضائي عليه، وفُتح النقاش حوله مجدداً مع إصدار وزير العدل عادل نصار قراراً بوقف القاضي (م.ن.) عن العمل، بعد توثيق تقاضيه رُشى مقابل إصداره أحكاماً لصالح الرَّاشين.
ويتمحور النقاش الدائر في أروقة «العدلية» حول مدى فعالية «العقوبة التأديبية»، على اعتبار أنها ليست المرة الأولى التي يُحال فيها هذا القاضي إلى التأديب.
فقبل 13 عاماً، لُوحق أيضاً نتيجة تقاضيه رشى، وقرر المجلس التأديبي صرفه من الخدمة. غير أن الهيئة العليا للتأديب اكتفت بتخفيض درجاته، وأعادته إلى العمل، مع وضعه تحت مراقبة رئيس المحكمة. لكنه عاد إلى ارتكاب الجرم الجزائي نفسه، إلى أن تجرَّأت إحدى القاضيات بالتعاون مع المحامين على توثيق جرمه. استدعى ذلك أسئلة حول أداء القاضي المقصود طوال الأعوام الماضية، وعما إذا ارتكب مخالفات أخرى خلالها، ولم يتجرأ أحد على توثيقها، أو تستّر عليه زملاؤه تحت مبدأ «التعاضد القضائي»، وحفاظاً على سمعة المؤسسة القضائية.
القاضي (م.ن.) ليس الأول الذي يوقف عن العمل ولن يكون الأخير. غير أن ما حصل يستدعي، بحسب قضاة، إعادة النظر بالنظام التأديبي نفسه، وبقانون استقلالية القضاء. ففي حين لا يوجد تناسب حقيقي بين الفعل والعقوبة في الكثير من الأحيان، لم يعالج قانون استقلالية القضاء أيضاً هذه الثغرات وغيرها عبر وضع آليات فعالة للمساءلة والتقييم الدوري.
وعن ذلك، يؤكد أحد القضاة لـ«الأخبار» أنه «لا يفترض لأي قاضٍ أن يكون منزهاً عن التقييم، سواء الذي يشغل أعلى المراتب أو من يتسلم مسؤولية عبر التشكيلات القضائية. فعملياً لو طُبّق مبدأ تقييم القضاة كل عامين وإعلاء النزاهة والكفاءة على التسييس، كان القاضي المرتشي سينفضح حكماً». ويشير بعض زملاء القاضي الموقوف عن العمل أنه «معروف» بين القضاة والمحامين، بمعنى أن «بيع الأحكام مقابل الرشى لم يكن سراً مخفياً عن أحد ولا عن مجلس القضاء الأعلى». لكن البعض في «العدلية» يخشى فتح أبواب هذه المغارة، لأسباب خاصة أو تحت العنوان الفضفاض نفسه: «حماية القضاء».
في حالات أُخرى، أُجبر بعض القضاة المرتكبين على تقديم استقالاتهم فور صدور القرار البدائي بهدف «الحفاظ على هيبة القضاء». وكانت تُربط الاستقالات أحياناً بالامتناع عن متابعة الملاحقات الجزائية والتأديبية بحقهم، فيما عُوقب بعض القضاة المرتكبين فقط بنقلهم من موقع إلى آخر (من بيروت إلى بعلبك مثلاً).
على هذا المنوال، يُدار الجهاز القضائي في البلد، علماً أن التستر على المرتشي لا يضر بسمعة القضاء فحسب، بل يخلّف وراءه ضحايا يتمّ ظلمهم بناءً على قرارات مُعلَّبة ومقبوض ثمنها. وفيما ينتقد جزء من القضاة قانون تنظيم القضاء العدلي، الذي يفرض إضفاء سرية تامة على إجراءات تأديب القضاة وتفاصيل ارتكاباتهم، ويطالبون بالكشف عنها، يرى آخرون أن الحفاظ على السرية ضروري، ولا سيما في غياب قانون عِلمي لاستقلالية القضاء. ويشرح هؤلاء أن ثمة قضاة يتعرضون للملاحقة السياسية ويتم تلفيق الملفات لهم. وبالتالي، سيؤدي الكشف عن تفاصيل قضايا هؤلاء -حتى لو تبيّن لاحقاً أنها ملفقة- إلى الإضرار بـ«القاضي الشريف وسمعته ومعنوياته».
وبالعودة إلى القاضي الموقوف، يقول القاضي المتقاعد الذي كان رئيساً للهيئة العليا للتأديب، حين تمّت ملاحقة (م.ن.) في المرة الأولى، إن «الإجماع لم يتوفر يومها لصرفه من الخدمة، فجرى خفض درجته إلى حدود الأربع درجات، ولم يعد إلى موقع المسؤولية، بل وضع تحت مراقبة رئيس المحكمة». لكن يبدو أن رؤساء المحاكم المتعاقبة لم يحسنوا مراقبة القاضي المستشار، فهل تفترض مساءلتهم في هذه الحال؟
«الأخبار» اتصلت أيضاً بأحد أعضاء الهيئة آنذاك (متقاعد حالياً وهو من كبار القضاة). غير أنه التزم بمبدأ الحفاظ على سرية التحقيقات ولو مرّت عليها 13 عاماً. ولدى سؤاله عمّا إذا ما كان يفترض أن يلاحق القاضي (م.ن.) جزائياً بعد تكرار مخالفته، أجاب بأن «ذلك لا يتم إلا بقرار من النائب العام التمييزي».
كما تواصلت «الأخبار» مع رئيسة نادي قضاة لبنان، نجاة أبو شقرا، للوقوف على رأيها حول مدى تناسب العقوبة التأديبية مع المخالفة أو الجرم المرتكب عموماً. فاعتبرت أن الخلل يكون أحياناً في العقوبة وأحياناً أخرى في أن الشخص المعني غير قابل للإصلاح، علماً أنها نفت أن تكون على علم بأي تفصيل في ما يخص توقيف القاضي (م.ن.) عن العمل أو تفاصيل ملاحقته تأديبياً. وقالت أبو شقرا إن «التفتيش القضائي يقوم بدوره ولدينا إيمان به ويعمل بما يتوفر لديه من معطيات»، مع تأكيدها أن ذلك لا يعني أن القضاء «كامل»، وأنه ليس بحاجة إلى «تطهير».
بناءً على كل ما سبق وملاحظات نادي قضاة لبنان على قانون استقلالية القضاء، يرى كُثر أنه بات ضرورياً معالجة ثغراته بطريقة عِلمية ومختلفة، لتفعيل نظام المساءلة والتقييم، وإعادة الثقة بالقضاء.



