| راجانا حمية |
كشفت أزمات النزوح المتلاحقة، سواء خلال الأزمة السورية بعد العام 2011، أو العدوان الإسرائيلي في العامين 2024 و2026، تحوّلاً واضحاً في دور السلطات المحلية. ففي ظلّ غياب أو ضعف الإدارة المركزية، تخطّت بلديات كثيرة صلاحياتها القانونية، بحجة ضرورات الاستجابة للنزوح في بلداتها. وهو ما ظهر في التعاميم التي صاغتها بمنطق يُميّز بين المجتمعات المضيفة وضيوفها، أو يقيد في أحسن الأحوال حركتهم وفق معايير لا تخلو من الاعتبارات السياسية.
68 تعميماً بلدياً لإدارة النزوح
بين 2 آذار ونهاية نيسان 2026، رصد «استديو أشغال عامة» 68 تعميماً بلدياً يتعلق بالنازحين (بعض التعاميم تتضمن أكثر من إجراء)، ويمكن توزيعها على خمس فئات، وفقاً للآتي:
– 46 تعميماً فرض على المالكين إبلاغ البلدية عند استضافة أو تأجير نازحين وتزويدها ببياناتهم، كما تسجيل النازحين بياناتهم لديها، وتسجيل الطرفين عقود الإيجار لديها. وبرزت في أقضية المتن وكسروان وبعبدا والبترون.
– 10 تعاميم فرضت موافقة البلدية المسبقة قبل الاستضافة أو التأجير، مع وضع قيود على الضيوف أو المستأجرين وصلت إلى حدّ منع الاستقبال. وبرز هذا التوجه في أقضية المتن وعاليه وبعبدا، وبدرجة أقل صيدا والكورة.
– 13 تعميماً دعا السكان إلى الإبلاغ عن الحالات غير الاعتيادية وتشكيل لجان طوارئ أو أمنية، مع إغلاق بعض البلديات لمداخل البلدات وتنظيم حركة الدخول والخروج، وصولاً إلى طلب إخلاء بيوت مستأجرة فيها.
– 13 تعميماً استولت بموجبها البلديات على صلاحيات إضافية خلافاً لأي نص تشريعي. وبرز ذلك في ربطها استضافة أو تأجير النازحين بفرض عقوبات على الملاك والسكان المخالفين لشروطها.
– 6 تعاميم حثّت على استضافة النازحين، ووضعت حدّاً أقصى لبدلات إيجارات المنازل لمنع استغلالهم.
تعرية النزوح من البعد الإنساني
أدارت معظم البلديات أزمة النزوح من زاوية أمنية – سياسية، في إيحاء بأن النازح (بخلفيته الطائفية وانتمائه السياسي) يشكل خطراً على المجتمعات المستضيفة. فبرز نموذجان متناقضان، ينطلقان من بُعدَي الانتماء والجغرافيا: أحدهما، وهو الغالب، يفرض قيوداً على النازحين «بما يحوّل تلك البلديات إلى بوابات أمنية»، بحسب الناشط الحقوقي، المحامي جاد طعمة. وثانيهما يحثّ على التضامن الاجتماعي والحدّ من استغلال النازحين.
هكذا، يصبح مفهوماً فرض بلديات المناطق المختلفة عن الخيارات السياسية للنازحين، قيوداً على الأخيرين، مع دعوتها إلى الإبلاغ عن «السلوكيات المريبة»، وفرضها عقوبات على المخالفين لشروطها.
وتُذكر، في هذا الصدد، مثلاً، تعاميم بلديات الكحالة (حصرت استقبال الوافدين، في حال الموافقة، بالأقارب من الدرجة الأولى؛ الأب، الأم، الأخ والأخت) وبرمانا وجونية والكورة والشوف وزحلة وجبيل (التعاون والتنسيق مع شرطة البلدية والحرس الليلي، عبر الإبلاغ عن أي إشغال غير مصرّح به) ووادي شحرور العليا وبعبدا وكسروان (إقفال الطريق الواقع عند مدخل البلدة من جهة حارة التين يومياً أمام حركة مرور الآليات، اعتباراً من الساعة العاشرة مساءً ولغاية الساعة السادسة صباحاً، والالتزام باستخدام المدخل الرئيسي للبلدة للدخول والخروج خلال المدة المذكورة) وكفرذبيان وعنايا وفاريا وحومال وفرن الشباك وحراجل وذوق مصبح (الإبلاغ المسبق عن أي عملية إيواء أو تأجير) والمتن وبعبدا وطرابلس وجبيل والكورة ومجدل عنجر وعاليه (فرض عقوبات بحق المخالفين).
ولا يمكن التحجج بأن هذه الإجراءات خلفياتها تنظيمية، فإعطاء السلطة المحلية لنفسها الحق بقبول أو رفض من يدخل إلى النطاق العقاري المسؤولة عنه، يتعارض مع حق المواطن اللبناني بالعيش أينما يشاء على الأراضي اللبنانية.
واللافت، وفقاً لـ«استديو أشغال عامة»، أن التعاميم الأكثر تشدداً في التعاطي مع ملف النزوح في الحربين الحالية والسابقة، هي نفسها التي شهدت خلال مدة النزوح السوري تقييداً لحركة هؤلاء، يتجاوز تنظيم إقامتهم. وهذا إن عنى أمراً، فهو أن الإجراءات تنطلق من منطق يتوجس من الآخر «الغريب»، بغضّ النظر عن جنسيته.
في المقابل، اصطفت تعاميم أخرى، وإن كانت خجولة، مع النازحين عبر دعوتها إلى منع استغلالهم وفرض سقوف لبدلات الإيجار ضمن نطاقها (علماً أنه إجراء خارج صلاحيات البلديات أيضاً).
صلاحيات مستحدثة
وخلصت قراءة «استديو أشغال عامة» أن تسجيل النازحين وبياناتهم لم يكن لأغراض إغاثتهم، وإنما لتقييدهم، فيما بعض التعاميم دفعت باتجاه تحويل السكان إلى مُخبرين لديها، بما حوَّل النازحين إلى مشتبه فيهم في أعين السكان «الأصليين».
وتسلط هذه التعاميم الضوء (حوالى 90% منها مبني على صلاحيات «مستحدثة»؛ قرابة 62 يدعو إلى فرض القيود والعقوبات والامتناع عن استقبال النازحين، في مقابل 6 تعاميم تحثّ على التضامن الاجتماعي) على بُعدَين أساسيين: قانوني وسياسي.
قانونياً، يميّز الحقوقي جاد طعمة، بين ما يمنحه القانون للبلديات من صلاحيات في تنظيم كل شيء محلي وبين جنوح البلديات نحو تقييد حركة المواطنين اللبنانيين أو تقييد حقهم في السكن «بما يعتبر مخالفة للنظام العام». وبالتالي، فإن «أي قرار فيه تمييز أو تقييد للحق في السكن يصبح قابلاً للطعن والإبطال لتجاوز حدّ السلطة».
من هنا، وبحسب طعمة، يقتضي التمييز بين مصطلحي «الإبلاغ» و«الموافقة المسبقة». فالإبلاغ المسبق «من الممكن النظر إليه من باب الإجراءات الإدارية والتنظيمية لتسهيل عمليات الرصد والمساعدة». أما الموافقة المسبقة، فـ«فيها تقييد لحق أساسي وتجاوز للصلاحيات القانونية، لأنه يمس بالحقوق الدستورية للمواطنين اللبنانيين». كما يشير طعمة إلى مخالفته لـ«مبدأ المساواة، فلا يمكن فرض رفض التأجير لمواطنين لمجرد انتمائهم الطائفي أو بسبب المكان الذي نزحوا منه».
أما البعد السياسي، فيمكن ملاحظته عبر رصد النطاق الجغرافي الذي تركزت فيه الإجراءات التقييدية. وهو أقضية المتن وكسروان وبعبدا وعاليه، حيث عكس أداء البلديات «أزمة الثقة بين مكونات الشعب اللبناني، مع تحوّل النازح إلى خطر أمني محتمل». فبرّرت «القرارات اللا قانونية بالخوف من تسلل عناصر حزب الله، ما حوَّل الأزمة الإنسانية إلى أداة استبعاد طائفي». عزّز ذلك غياب الدولة، الأمر الذي «منح البلديات المبرّر للتصرف بانفرادية وعلى هواها السياسي، لتتحول بذلك من سلطة محلية إلى سلطة تقرر من له الحق بالسكن ومن ليس له الحق في ذلك»، يختم طعمة.



