| جورج علم |
يصرّ لبنان على مشاركة فرنسا في أي قوّة دوليّة تحلّ مكان “اليونيفيل”.
الولايات المتحدة تعارض، وكذلك “إسرائيل”. ويصرّ بنيامين نتنياهو على أن تكون له الكلمة الفصل في هويّة أيّ قوّة قد تنتشر في الجنوب.
يدفع لبنان مرّة أخرى فاتورة باهظة نتيجة الصراع الدولي على أرضه.
إدارة الرئيس دونالد ترامب تنتقم من فرنسا نتيجة الخلاف العلني الذي ظهرت وقائعه خلال الجلسة التي عقدها مجلس الأمن الدولي أواخر تموز الماضي.
يومها انسحب الوفد الأميركي من القاعة أثناء إلقاء المندوب الفرنسي كلمته، وذلك على خلفية تبادل الانتقادات بشأن مواقف البلدين من قضايا حقوق الإنسان، وانضمام الولايات المتحدة إلى جانب روسيا وكوريا الشمالية في التصويت ضد اقتراح لتمديد ولاية مفوّض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك.
بدوره، ينتقم نتنياهو من فرنسا على موقفها من قطاع غزّة، وانتقادها المجازر التي يقترفها – ولا يزال – ضد أطفال ونساء وشيوخ القطاع.
وسبق للبنان الرسمي أن اتفق مع باريس حول ضرورة استمرار انتشار الكتيبة الفرنسية في الجنوب بعد انسحاب قوات “اليونيفيل”، على أن يُنظر في الآليّة والعدد في مجلس الأمن الدولي، وخلال جلسة خاصة يعقدها للموافقة على القوة البديلة التي ستحلّ مكان “القبعات الزرق”.
وتؤكد الوقائع الميدانيّة وجود تفاهم أميركي – إسرائيلي على محاصرة “لبنان الانفتاح”. وإنّ ما يقوم به فريق العمل الدبلوماسي – العسكري هو نسج “شرنقة”، مستخدماً خيوط العزلة لخنق البلد، وجعله أسير الهيمنة الأميركيّة.
والحقيقة أن هناك صراعاً جدّياً بين واشنطن وتل أبيب حول لبنان، ومن يكون “أولاً” صاحب الكلمة والنفوذ، علماً بأن الأميركي يملك قدرات لا تملكها “إسرائيل”، كي تكون “أميركا أولاً” في المنطقة!
وقبل وصول ترامب إلى البيت الأبيض، كانت “إسرائيل أولاً” من المنظار الأميركي. بعد وصوله، نسف المعادلة، وقال: “أميركا – وليست إسرائيل – أولاً” في الشرق الأوسط الجديد!
يعزّز هذه المعادلة انحسار القواعد العسكريّة الروسيّة في سوريا، لتقتصر على قاعدتي حميميم الجويّة في اللاذقية، وطرطوس البحريّة في الساحل السوري، بعد تفكيك وإخلاء عشرات النقاط والقواعد الأخرى عقب التغييرات السياسيّة والميدانيّة في البلاد.
وأعلنت دمشق وموسكو مؤخراً عن تفاهم جديد يقضي بتحويل هاتين القاعدتين إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة، وإعادة تسليم بعض المنشآت المدنيّة للإدارة السوريّة، في خطوة تعيد رسم شكل الوجود الروسي تحت غطاء الشراكة.
ولم يثر هذا التحوّل اهتمام الكثيرين، نظراً إلى التطورات الخطيرة والمتسارعة في المنطقة. إلا أنّ الصحافة البريطانيّة لم تهمل الحدث من الناحية الاستراتيجيّة، رغم المواجهة الشرسة التي تخوضها ضد روسيا على خلفيّة الحرب في أوكرانيا. واعتبرت بعض الأقلام أنّ أفول الدور الروسي عن الشرق الأوسط يشكّل تحدّياً للدول العربيّة، وتحديداً الخليجيّة، ويفقدها “مكتسبات المناعة”، بحيث تصبح تلقائيّاً تحت المظلّة الأميركيّة، مستسلمة لإملاءاتها ورغباتها، طبقاً لتقلّب المصالح والتحالفات.
ولاحظت أنّ الولايات المتحدة لم تلاقِ تحالف مكّة الثلاثي، السعودي – التركي – الباكستاني، بالترحاب. الرئيس ترامب حبس أنفاسه، ولجم لسانه، وتجاهل الحدث، رغم تعليقاته الصاخبة حول كل شاردة وواردة.
الصحافة الروسيّة المقرّبة من دوائر القرار وصفت التحالف بـ”الصفعة المدوّية” التي لطمت وجه السياسة الأميركيّة، كونه جرّدها من اعتبارها حامية لأمن واستقرار دول الخليج، وفضح دور القواعد العسكريّة المنتشرة في المنطقة، كونها تؤدي دوراً فرضته مصالح واشنطن، قبل مصالح الدول المضيفة.
ولبنان، الذي يراهن على الدعم الأميركي، أصبح رهينة “الشرنقة” التي يحيكها ترامب بالتنسيق مع نتنياهو. أمّا ما يُحكى عن خلاف في وجهات النظر بين الرجلين، فإنّما هو خلاف على اقتسام المصالح، ومن يكون “أولاً” في المنطقة، واشنطن أم تل أبيب؟!
ومع دخول الجنوب مرحلة جديدة من التوغّل في المجهول، يتذكّر البعض جيداً ما قاله توم برّاك يوماً في “منتدى الدوحة”، عندما حذّر من أن لبنان “يواجه خطراً وجوديّاً”، وقد يعود إلى كنف “بلاد الشام” إن لم يتحرّك لمعالجة أزماته السياسيّة والأمنيّة والاقتصاديّة. ووصف “الحالة السياسيّة في لبنان” بـ”الدولة الفاشلة”، في ظل العجز عن إدارة الأزمات الداخليّة.
والذي يجاهر بهذه “التنبّؤات”، هو واحد من أقرب المقرّبين إلى عقل ترامب و”صفقاته” التي لا تحترم حدوداً ولا كيانات؟
للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” إضغط على الرابط


