| غاصب المختار |
تحولت قرى الجنوب، جنوب نهر الليطاني وشماله، وصولاً إلى صيدا أحياناً، إلى ما يشبه حقول تدريب لجيش الاحتلال الإسرائيلي، نتيجة التراخي السياسي الرسمي في المفاوضات التي يجريها لبنان مع كيان الاحتلال الإسرائيلي برعاية أميركية، يمكن وصفها، بكل راحة ضمير سياسي، بأنها وسيط وراعٍٍ منحاز إلى العدو الإسرائيلي. وهو ما أكده بصراحة ووضوح، نتيجة تجربته التاريخية مع الأميركيين، رئيس تيار “المردة” سليمان فرنجية، قبل وبعد فرض العقوبات الأميركية عليه مؤخراً “بطلب لبناني من جهات رسمية”، كما قال.
ومن دون الغوص في كلام فرنجية حول السياسة الأميركية، التي لا تزال شاهدة على الانحياز الأميركي الكلي إلى كيان الاحتلال، فإن تجارب معظم السياسيين اللبنانيين، وبخاصة المسيحيين، ومنهم آل فرنجية، من سليمان الجد إلى سليمان الحفيد، تشهد على ذلك منذ ثمانينيات القرن الماضي حتى الآن. وينسحب الأمر على التجارب الفلسطينية، واتفاق السلام الذي وقعه الزعيم الراحل ياسر عرفات مع رئيس حكومة كيان الاحتلال إسحاق رابين في 13 أيلول/سبتمبر 1993، في عهد الرئيس الأميركي بيل كلينتون، في حديقة البيت الأبيض، وتلته اتفاقات “أوسلو 2″ و”غزة ـ أريحا” وما تبعها من اتفاقات سلام، والتي سقطت تباعاً نتيجة السياسة الصهيونية التي لا تعرف السلام.
وينطبق الأمر أيضاً على تجارب بعض الحكام العرب الموالين لأميركا، الذين كان مصيرهم العزل والنفي والسجن خلال ما وُصف بـ”الربيع العربي”، الذي كان بالفعل خريفاً أميركياً أسود طويلاً على المنطقة العربية، مهّد للتطبيع مع كيان الاحتلال الإسرائيلي على حساب المصالح الوطنية العربية، وبالأخص المصلحة الفلسطينية.
أما في لبنان، وقد تحول الجنوب إلى أرض محروقة، وسوّى الاحتلال أبنية بالتراب وأزال معالم قرى كاملة، فقد كانت النتيجة المباشرة للسياسة الأميركية التي غطّت التهرّب الإسرائيلي من تطبيق “اتفاق الإطار” وملاحقه السرية الخطيرة، ولتهاون السلطات الرسمية اللبنانية التي ترعى التفاوض وتسوّق له على أنه المخرج الوحيد للخلاص من الاحتلال، بينما يتمدد الاحتلال يومياً، ويتوغل في القرى، ويعتدي على الجيش اللبناني، ويقتل المواطنين ويخطفهم.
وقد وصف فرنجية، في حديثه التلفزيوني، التفاوض بأنه خطأ رئاسي، لأن “الأميركي لا يراعي إلا مصالح كيان الاحتلال الإسرائيلي، وهو حليف كبير وقوي لهذا الكيان، بينما لبنان ليس حليفاً فعلياً للأميركي”.
وعلى هذا الأساس، أجّل الوسيط الأميركي غير النزيه جلسات المفاوضات المقبلة بين لبنان وكيان الاحتلال إلى شهر أيلول المقبل، ولا ندري على أي أساس ولأي هدف. وستكون مهلة الشهر هذه فترة “تدريب جديد” للعدوانية الإسرائيلية في حقل الرماية الجنوبي اللبناني، بمعنى أن كيان الاحتلال سيستغل فترة الفراغ هذه لتحقيق مزيد من الاعتداءات والتوسع وفرض وقائع ميدانية جديدة على الأرض، تكبّل المفاوض اللبناني وتربكه أكثر، تماماً كما فعل في الجولة الأخيرة من مفاوضات روما، يوم الخميس، بطرح تسليم رفات اليهود اللبنانيين الذين قُتلوا خلال بداية الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975.
وهو أمر مضى عليه 51 عاماً، وقد مات من مات واختفى أي أثر لمكان رفات هؤلاء اليهود المقتولين، وهو أمر يعرفه كيان الاحتلال الإسرائيلي و”الوسيط الأميركي”. لكن العدو طرحه لتعقيد المفاوضات أكثر بشروطه التعجيزية، ولعدم التوصل خلالها إلى أي نتيجة تفيد لبنان. وكل هذا برعاية وتغطية أميركية، طبعاً.
لذلك، كانت نصيحة سليمان فرنجية لرئيس الجمهورية بعدم الذهاب بعيداً في الرهان على الأميركي، والتوجه نحو تحصين الوضع الداخلي قبل أي أمر آخر، عبر رعاية حوار وطني حقيقي، لا شكلي، يؤسس لعقد تسوية وطنية تحمي البلاد مما هو آتٍ.


