فتحت سلطات الاحتلال الإسرائيلي تحقيقاً داخلياً عقب العملية التي استهدفت قوة من جنود الاحتياط في بلدة مجدل زون جنوبي لبنان، في محاولة لتحديد توقيت زرع العبوة الناسفة التي انفجرت أمس الثلاثاء وأدت إلى مقتل جنديي احتياط وإصابة 4 آخرين، في حادثة أعادت تسليط الضوء على هشاشة الوضع الأمني في الجنوب واستمرار الاعتداءات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.
وبحسب ما أوردته صحيفة “هآرتس” العبرية، يركز التحقيق العسكري على سؤال أساسي يتمثل في ما إذا كانت العبوة الناسفة قد زُرعت قبل انسحاب قوات الاحتلال من القرية في شهر آذار الماضي، أم أنها وُضعت لاحقاً بعد توقيع تفاهمات وقف إطلاق النار التي جرى التوصل إليها الشهر الماضي برعاية أميركية.
ورأت الصحيفة أن نتائج التحقيق قد تحمل أبعاداً سياسية تتجاوز الجانب العسكري، إذ إن إثبات أن العبوة زُرعت بعد توقيع التفاهمات قد تستخدمه “إسرائيل” لاتهام “حزب الله” بخرق الاتفاق، وهو ما قد تستغله حكومة الاحتلال للضغط على مسار المفاوضات الجارية في العاصمة الإيطالية روما بين لبنان والعدو الإسرائيلي والولايات المتحدة، أو لتبرير تصعيد عسكري جديد في الجنوب اللبناني.
ووقع الانفجار أثناء توغل قوة من جنود الاحتياط التابعين للواء المظليين داخل بلدة مجدل زون، حيث كانت تنفذ عمليات تمشيط وهدم لمنازل لبنانية، قبل أن تدخل منزلاً متضرراً بهدف استخدامه كنقطة مراقبة، لتنفجر العبوة الناسفة داخل الموقع، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوف القوة المتوغلة.
وفي أعقاب العملية، صعّد جيش الاحتلال من اعتداءاته على جنوب لبنان، فنفذ سلسلة غارات استهدفت مناطق تقع ضمن نطاق ما يعرف بـ”الخط الأصفر” الذي تفرض “إسرائيل” سيطرة عسكرية عليه، ما أدى إلى استشهاد مواطن لبناني وإصابة 12 آخرين في بلدة تبنين، في استمرار لسياسة الرد العسكري التي غالباً ما تطال المدنيين والبنى التحتية اللبنانية عقب أي تطور أمني على الحدود.
وجاء هذا التصعيد بعد فترة من الهدوء النسبي، كانت أبرز التحركات خلالها قيام جيش الاحتلال بتفجير مجمع واسع من الأنفاق والتحصينات في منطقة مرتفعات علي الطاهر، ضمن عملياته العسكرية المستمرة داخل الأراضي اللبنانية، رغم الحديث عن تفاهمات تهدف إلى تثبيت وقف إطلاق النار.
وفي قراءتها للمشهد، أشارت “هآرتس” إلى أن “المؤسسة العسكرية الإسرائيلية” تعتقد أن “حزب الله” لا يسعى في المرحلة الحالية إلى مواجهة مباشرة، في حين ترى أن الدولة اللبنانية والجيش اللبناني يبديان تعاوناً في إطار المفاوضات الجارية، مع استمرار الحديث عن إحراز تقدم في تنفيذ المراحل المقبلة من الاتفاق، بما يشمل ملفات تتعلق بالمناطق التي ما زالت قوات الاحتلال تحتفظ بوجود عسكري فيها داخل الجنوب اللبناني.
وفي موازاة ذلك، لفتت الصحيفة إلى أن الإدارة الأميركية تمارس ضغوطاً على حكومة بنيامين نتنياهو لتجنب فتح جبهات تصعيد جديدة، سواء في لبنان أو غزة أو إيران، في إطار سياسة تهدف إلى ضبط التوتر الإقليمي ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة واسعة.
وأضافت أن حكومة الاحتلال ما تزال تنتظر موافقة واشنطن للمشاركة في أي عمليات عسكرية أميركية جديدة ضد إيران، فيما تعمل الإدارة الأميركية على الدفع نحو اتفاق أوسع في الملف اللبناني يتناول مستقبل الوجود العسكري الإسرائيلي في الجنوب، إلى جانب قضايا أمنية أخرى مرتبطة بالحدود.
أما في قطاع غزة، فأشارت الصحيفة إلى أن ضغوطاً أميركية دفعت حكومة الاحتلال إلى تقليص عمليات الاغتيال التي تنفذها ضد عناصر حركة “حماس”، وحصرها – وفق الرواية الإسرائيلية – بالحالات التي تعتبرها “تهديداً مباشراً”، وذلك بعد أشهر من العمليات العسكرية التي أسفرت عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا الفلسطينيين، بينهم آلاف المدنيين، وسط استمرار الانتقادات الدولية للعدوان الإسرائيلي وتداعياته الإنسانية.
ويعكس التحقيق الإسرائيلي في عملية مجدل زون حجم القلق داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من استمرار قدرة المقاومة على استنزاف القوات المتوغلة في جنوب لبنان، كما يكشف محاولة الاحتلال توظيف نتائج التحقيق سياسياً، سواء لتبرير استمرار اعتداءاته على الأراضي اللبنانية أو للتأثير على مسار المفاوضات الجارية، في وقت يتمسك لبنان بموقفه الداعي إلى وقف الخروقات الإسرائيلية والانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة، باعتبار ذلك المدخل الأساسي لأي استقرار دائم على الحدود الجنوبية.


